لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية

مقدمة عن الكتاب المقدس

قال المسيح الحي: الحق الحق أقول لكم من يؤمن بي فله حياة أبدية

أراه أمرا خطيرا جدا ومن الصعوبة بمكان أن أكتب مقدمة للكتاب المقدس . ذلك لأنه كما نعلم كتاب يحوي جميع أفكار الله وجميع معاملاته مع الإنسان . كما يشتمل أيضا على قصده الثابت من جهة المسيح ومن جهة الإنسان في شخص المسيح . كتاب قد أعلن فيه ما هو الله تعالى وما هي مسئولية الإنسان وما قصد الله أن يعمله بنفسه للإنسان . كما فيه قد أعلنت العلاقات الجديدة التي دخل فيها الإنسان مع الله بواسطة المسيح . كتاب يعلن ما هو الله تعالى في طبيعته أدبيا والتدابير التي يمجد فيها ذاته أمام السموات وساكنيها . كتاب يميط اللثام عن أسرار القلب البشري وحالته ، وفـي الوقت نفسه يكشف له أمورا غير منظورة . كتاب يبدأ حيث الماضي يمس الأزلية ، ويسير بنا في سهول من توضيحات وحلول لكل المسائل الأدبية ، إلى أن يصل بنا إلى النقطة الختامية حيث المستقبل فيها يلامس الأبدية - وكل ذلك بحسب الله . كتاب يحل ويفسر جميع المعضلات الأدبية في كمال نور الله المعلن ، ويوضح لنا أساس العلائق الجديدة معه تعالى ، بحسب ما هو في ذاته وما هو في محبته المطلقة . كتاب كهذا لو أخذنا على عاتقنا مهمة تمهيد الطريق فيه للذهن لكي يستطيع أن يدرك ويفهم منه طرق الله كما أعلنها له المجد ( هذا على قدر ما يمنحنا الله باعتبارنا أداه إذ لا يستطيع أن يفصح الإفصاح كله سوى الله وحده ) - نقول أننا إذا أخذنا على عاتقنا هذه المهمة لوجدناها من الصعوبة والخطورة بدرجة ينحني أمامها الإنسان إذ نرانا عتيدين أن نتعامل مع أفكار الله كما أعلنها تعالى بنفسه . وما أعجب التداخل الإلهي المجيد الذي تداخل به الله في الفترة الحاضرة التي تتوسط بين الأزلية والأبدية - الفترة التي أخذ فيها نشاط الخليقة الساقطة يظهر ذاته في أفكار سوف تبيد كلها وتهلك ، يحفزه ذلك الذي يستخدم سلطانه كالكذاب والقتال . على أنها هي عين الفترة التي بينما كان الله فيها يمتحن الإنسان ويظهر ما هو في طبيعته الساقطة ، أعلن فيها تعالى طبيعته الإلهية وأفكاره بل وذاته الكريمة في أبنه العزيز ، كما أعلن فيها قصده الثابت : أمور كانت حتى ذلك الوقت مكتومة في نفسه تعالى ولكنه في الابن المجيد يعلن تلك المقاصد ويتممها حتى تصل في شكلها النهائي وتظهر في أبدية مجد عتيد . وفي تلك الأبدية سوف يعلن الله ذاته - حين يكون محوطا بخلائق مباركه تعرفه وتدركه - ويعلنها كالنور والمحبة في كمال نتائج أفكاره السرمدية التي لن تبيد - أبديه سيظهر فيها أيضا ما عملته نعمته وحكمته وسط ما يرى في الوقت الحاضر ، وسيظهر ذلك جميعه ملء جلاله وآثاره الخالدة ، أبدية يصبح فيها الله الآب والابن والروح القدس - المعروف لذاته قبل أن يكون زمان - سيصبح معروفا لدى عديد من الخلائق المباركة ، نعم ومعروفا لديهم في سعادتهم حينما لا يكون زمان بعد . هذا مع اعتبار أن العالم الحاضر هو الدائرة العجيبة التي جعل كل شيء فيها يعمل لإتمام هذه الغاية المجيدة ، وان قلب الإنسان هو المشهد الذي تجري فيه كل هذه الأمور ، ومنه تتكون أدبيا إذا كان الله الذي منه وبه كل الأشياء يسكن في ذلك القلب بروحه القدوس ليعطى الإنسان فطنه ودراية ، وإذا كان المسيح الــذي الغرض من كل ما صنع هو غرضه الأوحد . إذا فالكتاب المقدس هو الإعلان الذي أعـطاه لنا الله عن كل هذا النظام البديع وعن جميع الحقائق التي تتعلق به . فهل غريب إذا - إزاء خطورة الكتاب - أن يفزع الإنسان من مهمة التمهيد لهذه الأمور المتعددة النواحي لكننا نتعامل مع اله الصلاح الذي يسر في أن يعيننا في كل شئ يؤدي إلى حصولنا على دراية تامة بالإعلان الذي شاء أن يعطينا إياه عن أفكاره تعالى . وقبل أن ندخل في التفصيلات يجدر بنا أن نلاحظ بعض المبادئ الهامة التي تميز هذا الإعلان .

وأول فكرة هامة تواجهنا في إعلان الله هذا هي فكرة الآدميين - أي الإنسان الأول والإنسان الثاني ، رجل المسؤولية ورجل مشورات الله ، الذي أعلن فيه ذاته ( مع تثبيته مبدأ المسؤولية ) كما أعلن فيه أيضا مشوراته الإلهية والنعمة التي تملك بالبر . وهذان المبدآن بارزان في كل أجزاء الكتاب المقدس . ومع أن الله بمقتضى سياسته الإلهية قد أظهر صلاحه على طول الطريق حتى مجيء ابنه ، وإلا أن النعمة - بمعناها الكامل - لم تكن إلى ذلك الحين إلا معلنا نبويا : أعني أنها كانت مستترة بشكل لم تتداخل به في العلائق التي كانت للإنسان مع الله قديما ، وغالبا كانت تعلن نبويا بصيغ لم يكن لأحد أن يتفهمها إلا بعد ما أعطانا العهد الجديد مفتاحها .

وهذا يقودني إلى مبدأين آخرين نراهما معلنين وموضحين في الكتاب . أولهما سياسة الله في مشهد هذا العالم ، تلك السياسة الأمينة الثابتة التي استمرت مكتومة لأجيال عديدة إلا فيما يختص بمنطقة إسرائيل المحدودة . وحتى في هذه المنطقة كانت تلك السياسة غامضة في نظر الناس بسبب نجاح الإثم ( مز 73 ) ، ولان الله كانت عنده طرق أهم وأعمق كما كانت لديه بركات أعظم لشعبه المحبوب وسط هذه السياسة - طرق استطاع الله فيها أن يستخدم الشر الذي سمح به - لفائدة شعبه وخيرهم الروحي . والتاريخ الذي يحويه الكتاب المقدس بين دفتيه يعلن نظام هذه الطرق الإلهية للشخص الروحي . وسفر المزامير يلقي عليها شعاعا بروح المسيح فيمن كتبوه ، وفي خاصته متنقلا ذلك الشعاع من برج إلى آخر حتى لقد يرتفع بهم في بعض الأحيان من تعبيراتهم الشخصية إلى اختبارات المسيح نفسه وبذلك صارت كلها نبوية مباشرة . وهنا أراني أسبق الترتيب الطبيعي ، لذلك أعير إلى ذكر المبدأ الإلهي الثاني وهو النعمة المطلقة السامية ، النعمة التي ترفع خطاة مساكين ، وتمحو خطاياهم ومن ثم تجلسهم في نفس المجد كالابن العزيز - الذي صار إنسان لأجل هذه الغاية - " مشابهين صورة ابنه " ، متممة ذلك بحسب بر ، وبواسطة ذبيحة المسيح التي بها مجد الله تماما من جهة الخطية . وان كنا نرى بعضا من وجوه هذه النعمة الإلهية في سياسة الله ، بادية حين تظهر نتيجة تلك السياسة ، إلا أن إظهارها لا يكمل إلا في المجد السماوي .

ويرتبط بسياسة الله هذه ارتباطا وثيقا الناموس وهو يثبت مبدأ الخير والشر بحسب الله ، ويؤسسه على سلطانه الإلهي . ولقد أوضح لنا شخص ربنا المعبود معنى الناموس باقتباسه بعضا من مبادئ الأسفار الموسوية الخمسة ، تلك المبادئ التي لو كانت مقررة وفعاله في القلب لكانت تقود إلى الطاعة وإلى إتمام مشيئة الله وإنتاج البر الإنساني ، على أن الوصايا العشر لا تخلق الواجب من جديد ، إذ وجوده قائم ومؤسس على العلاقات التي أوجد الله الإنسان فيها .

على أنه يوجد فرق بين مبادئ الناموس كما نطق بها ربنا يسوع وبين الوصايا العشر . ذلك هو أن المبادئ التي اقتبسها السيد من أسفار موسى الخمسة كانت تحوي بين دفتيها خيرا مطلقا بمعنى الكلمة بدون سؤال عن الخطية بينما الوصايا العشر تفترض وجود الخطية ، ومن أجل ذلك جاءت كلها ( ما خلا واحدة منها ) بصيغة النهي محرمة عدم الأمانة في العلاقات التي تتناولها . ومن المهم أن نلاحظ أن آخر الوصايا العشر تحرم أول حركة من حركات القلب نحو الخطايا التي حكمت عليها التسع الأولى - فهي تحرم الشهوة التي في طبعها تقود القلب لعمل كل الخطايا . ولا ننس أن العلاقات المختلفة كانت هي أساس الواجب ، والوصايا العشر كانت لتحذير الناس من الخيبة في تلك العلاقات . على أن مبدأ الناموس ، بل مبدأ أي ناموس ، هو أن رضى ذاك الذي أنا مسؤول أمامه ، وقبولي لدى ذاك الذي من حقه أن يحكم أمانتي في المسؤولية أو قصوري عنها ، وبالاختصار أن سعادتي الشخصية كلها متوقفة على العلاقة التي لي مع الله كمسؤول أمامه لان العلاقات تأسست بإرادة الخالق وسلطانه فإذا فشلت فيها فأنا أتخطئ إلى ذاك الذي أسسها . ولو أن هذه الخطية تكون واقعة مباشرة ضد الشخص الذي أنا في علاقة معه ، ولكن بما أن الالتزام الذي علي من نحوه قد افرضته على مشيئة الله التي عنها هذا الالتزام ، فأنا في الواقع ازدري بسلطانه تعالى وأعصاه . ومبدأ الناموس كما قلنا هو أن قبولي متوقف علي مسلكي ن أما النعمة فإنها تعمل ما يرضي صلاح الله كما يليق بطبيعته تعالى وصفاته كمن يعمل بالنعمة .

وقد كان هناك عنصر مهم آخر في طرق الله ومعاملاته يتباين مع الناموس وهو المواعيد. وقد ابتدأ هذا العنصر مع السقوط نفسه ولكنه كمبدأ في طرق الله ابتدأ من تاريخ إبراهيم حينما كان العالم قد سبق وسقط ليس في الخطية فقط ، بل في عبادة الأوثان ، إذ استولى إبليس والشياطين على مكان الله في فكر الإنسان . فاختبار ابرام ودعوته وعطية المواعيد التي وهبت له كانت كلها مرتبطة بالنعمة . وبالنعمة سار إبراهيم مع الله (1) إلى المكان الذي اقتاده إليه تعالى ولكن لم يكن له في ذلك المكان وطأة قدم , وهذا أدى إلى مبدأ جوهري آخر وهو مبدأ العيشة بالأيمان وقبول كلمة الله كأنها من الله والاعتماد على صادق صلاحه . واضح أن الوعد كان مؤسسا على النعمة وليس على الشيء المعطى ولو أن كلمة الله قد أكدت وثبتت هذا الشيء . والأيمان يعتمد على الوعد ، والى حد ما أدخل فكرة البركة خارجا عن دائرة العالم ، أي البركة من العالم لما نال المؤمن بأيمانه شيئا . لاشك أن الشعور برضي الله كان قويا ، ولكن هذا الشعور كان متوقفا على مقدار الثقة بأمانة الله في فعل ما وعد به . على أن توجد نقطة هامة في مسألة المواعيد تجب ملاحظتها : وهي أن هناك مواعيد شرطية وأخرى غير شرطية . فالمواعد التي أعطيت لإبراهيم واسحق ويعقوب كانت غير شرطية ، بينما المواعيد التي أعطيت للشعب عند جبل سيناء كانت تحت شروط . وكلمة الله لا تخلط بين الاثنين . فموسى في سفر الخروج ( ص32: 13 ) يستعيد ذكرى المواعيد التي أعطيت لإبراهيم واسحق وإسرائيل. وسليمان في ( 1 مل 8 : 51 - 53 ) يذكر المواعيد التي أعطيت للشعب في عهد موسى . ونحميا في الإصحاح الأول من سفره يشير إلى المواعيد التي أعطيت لموسى وفي الإصحاح التاسع يشير أولا إلى المواعيد التي أعطيت لإبراهيم كمصدر كل المواعيد ثم إلى موسى حينما تكون المسألة مسألة معاملات الله . وقد تكلم الرسول بولس في0 (غل 3:16-)عن الفرق بين هذه المواعيد . ففي عهد الناموس لما كان هناك وسيط كان التمتع بثمرات الوعد متوقفا على أمانة إسرائيل بقدر توقفه على أمانة الله ، ولكن بكل أسف خسر الشعب كل هذا من أول الأمر . أما إتمام وعد الله السهل البسيط فكان متوقفا على أمانة الله وحده - وفي هذه الحالة كان الكل مضمونا . ونتعلم من نفس الفقرات التي أشرنا إليها في غلاطية أمرا آخر : وهو أن المواعيد التي أعطيت لإبراهيم قد تمكنت نحو المسيح الإنسان الثاني ، وستتم جميعها بكل تأكيد - وكلها نعم وكلها آمين - حين يأتي يومه الذي كان في فكر الأنبياء دائما . وهنا أيضا نرى أن الفرق الذي ألمعنا إليه بين سياسة الله لهذا العالم وبين نعمته الفائقة يجد محلا له للتطبيق . فالنعمة التي أجلستنا في السماويات لم يتنبأ عنها أنبياء العهد القديم على الإطلاق لان النبوة تتعلق بما هو أرضي وعلى مالها ارتباط بالرب يسوع فهي تشتمل على إعلان الحالة التي كان عتيدا أن يوجد بها على الأرض في مجيئه للتجسد كما احتوت أيضا على إعلان الحالة التي سيكون فيها له المجد عند مجيئه الثاني بدون أن تشير إلى ما سيكون بين المجيئين ( أي عهد النعمة الذي نحن فيه الآن ) . ومع ذلك فإن الوقائع المتعلقة بشخص الرب قد اشير إليه في المزامير التي أعلنت لنا كثيرا من تاريخه الشخصي له المجد . فأشير إلى قيامته ( مز16 ) والى صعوده ( مز 68 ) والى جلوسه عن يمين اللــــه ( مز110) ومن جهة الروح القدس فان هذه المزامير تعلمنا أن المسيح يتقبل موعده كانسان ، وان المواهب ليست فقط من الله بل أن المسيح سيقبلها " في الإنسان "(1) أي كالإنسان بالارتباط مع بني البشر . ومن الجهة أخرى فان المزامير ( ما خلا أشواق داود المذكورة في مز 72 ، 145 حيث الموضوع الذي يعالجه هذان المزموران يخص شخص الرب ) - ما خلا ذلك فان المزامير لا تتكلم عن الحالة التي ستكون بعد رجوعه إلى المجد بينما نرى في الأنبياء أن هذه الحالة المقبلة موصوفة بتوسع في إتمام المواعيد التي أعطيت لليهود ونتائجها للأمم . وهناك نقطة أخرى يجدر بنا أن نلاحظها : وهي أنه حينما يقدم الأنبياء نيابة عن الله مشجعات للأيمان للوقت الذي قيلت فيه النبوة حتى يستطيع رجال الأيمان حينئذ أن يقابلوا الظروف العسيرة التي يمتحنهم بها الله ، فان روح الله يستخدم تلك الظروف ليجتاز منها إلى المستقبل حين يتداخل الله لحساب شعبه(2) . أرى أنني ربما قد أطلت في التفصيلات فانتقل إلى نقطة أخرى .

وأخيرا حينما دخلت الخطية في المشهد ، وحينما كسر الشعب الناموس ، وحينما فشلت جهود الأنبياء في إرجاع بني إسرائيل إلى واجبهم والإتيان بالثمر المطلوب لله من كرمه جاء المســـيح ( المسيا الموعود به ) ببراهين كثيرة على إرساليته ، وقد كانت تلك البراهين واضحة وجلية لدرجة أنه كان في متناول الذهن البشري أن يتبينها ويدركها - وفعلا استطاع ذلك ن ( يو 2: 23 ، 3: 2) نقرأ في الإصحاح الأول من العبرانيين أن الله تكلم في شخص الابن المعبود المبارك كالنبي العظيم الموعود به . ولكن في الوقت نفسه كان الآب معلنا في الابن والإنسان لم يشأ أن يقبل الله . كان ابن الله يجول يصنع خيرا منقذا الإنسان من كافة الشرور الخارجية التي جلبتها الخطية إلى العالم ، ومن سلطان الشيطان من هذه الوجهة ، ولكن إعلان الله هذا في صلاحه أظهر عداء قلب الإنسان ضده تعالى . فأضاع اليهود كل حقوقهم في المواعيد ورفض الناس الله المعلن في صلاحه على الأرض . وبهذا قد ختم تاريخ الإنسان المسؤول ( لأننا لا نتكلم هنا عن النعمة إلا حينما نذكر حضور الله بالنعمة لامتحان مسؤولية الإنسان ) . فلم يحدث فقط أن الخطية دخلت إلى العالم وان الناموس كسر، بل فوق ذلك أن الناس لم يستطيعوا احتمال حضور الله في وسطهم بصلاحه غير حاسب لهم خطاياهم . وأصبحت كل علاقة للإنسان مع الله على أساس ما هو الإنسان في ذاته مستحيلة بغض النظر عن المعجزات التي عملها الرب يسوع والتي كانت كلها صلاحا في صلاح (3) لا مجرد قوة. ومع ما رأوه من الآيات والمعجزات فانهم كما قال الرب له المجد عنهم بفمه في ( يو 15: 22-25) " ليس لهم عذر في خطيتهم … لقد رأوا وابغضوني أنا وأبي " ( وهذا التعبير يستعمله يوحنا دائما حين يتكلم عن الله عاملا بالنعمة ) . أي نعم وأنها لأقوال خطيرة من فم الرب ، ولكن هكذا كان وهكذا انتهى تاريخ الإنسان أدبيا . ولكن تبارك الله ، فقد أغلق ذلك التاريخ لكي يفتح الباب أمام ذاك الذي أعلن نفسه كإله النعمة في الابن العزيز حتى يعمل بالنعمة المطلقة ( يو 12: 31-33) . فالصليب كان لسان حاله : أن الإنسان لا يريد الله حتى وهو آت إليه بالنعمة ( 2كو5:17-19) ولكنه في نفس الوقت كان يقول : إن الله مطلق في نعمته حتى انه في طريق مصالحة الإنسان لنفسه لم يشفق على ابنه (4).

وأحب لان أن أتتبع معاملات الله تاريخيا فيما يتعلم بمسؤولية الإنسان بكل اختصار . ومما يلفت النظر في تاريخ الإنسان هو أنه مهما كان الخير الذي يفعله الله فإن أول ما يفعله الإنسان هو أن يفسد ذلك الخير . وأول عمل آته الإنسان كان العصيان والتمرد . فسقط في الخطية وقطع كل علاقة بينه وبين الله وأصبح يخاف من ذاك الذي كان قد ملأ كأسه بالبركات . ونوح الذي خلص من الطوفان الذي أغرق العالم بأسره ما عدا عائلته هو سكر بالخمر وتعرى ففيه امتهن السلطان وضاع. وبينما كان الناموس يعطى وقبل أن ينزل موسى من على الجبل صنع إسرائيل لنفسه العجل الذهبي .

ونرى ناداب وأبيهو يقدمان نارا غريبة في أول يوم من أيام خدمتهما ونتج عن ذلك أن حرم على هارون أن يدخل إلى قدس الأقداس بثياب المجد والجمال ولا بأي ثياب أخرى إلا في يوم الكفارة العظيم ( لا 16) . وفي نفس الطريق سقط سليمان ابن داود في عبادة الأوثان فانقسمت المملكة بسبب ذلك وتجزأت . وفي سياق الكلام عمن أعطاهم الله سلطان الحكم نرى أن أول رئيس من الأمم خلع الله عليه هذا السلطان قد صنع له تمثالا عظيما واضطهد الذين ظهروا بمظهر الأمانة ليهوه . وحتى الكنيسة الاسمية لم تفلت هي الأخرى من هذا الناموس العام ناموس العصيان والخراب أكثر من سواها .

وإذا قصدنا أن نتأمل في طرق الله ومعاملاته مع الإنسان في الفترة بين آدم الأول والمسيح لوجدنا أول كل شئ الإنسان في حالة الطهارة وفي مركز التمتع بالبركات الأرضية لا يعرف معنى للتعب من أي نوع إذ لا نجد في تلك الحالة أثرا للشر . وهناك وضعت المسؤولية في أمر واحد وهو منع الإنسان من الأكل من شجرة معينة بالذات على أن هذا المنع أو الوصية لم يفترض الشر فقد كان ممكنا لآدم أن يأكل من تلك الشجرة كسائر الأشجار التي في الجنة لو لم يكن قد منع عن الأكل منها. إذا فقد كانت المسألة مسألة طاعة إلا أن الإنسان خضع للتجربة وانحنى لها فخسر الله كنصيبه وأخفى نفسه عن وجهه تعالى قبل أن يطرد من الجنة وبعد ذلك طرد بقضاء الله من تلك الجنة التي كان يتمتع فيها قبلا بحضرة الله الذي كان يأتي ليفتش عنه عند هبوب ريح النهار. وفي تلك الحالة حصل آدم على الضمير وتعلم رغم أنفه لا عن طريق ناموس وضعي بل داخليا أن يميز بين الخير والشر .

لا شك أن الضمير قد يتقسى أو يضل ومع ذلك يبقى في الإنسان وعندما يصنع صاحبه أمرا خطأ فأنه يؤنبه ويحكم عليه وناموس الله هو قانون الضمير ولو أن الضمير ليس هو الذي يستخدم هذا القانون على أنه من ذلك الحين فصاعدا سقط الإنسان إذ عصى الله ورفض أن يخضع له تعالى ، وخاف منه فحاول أن يخفي نفسه من وجهه تعالى لو استطاع إلى ذلك سبيلا فطرده الله من الجنة وجرمه من كل البركات التي فيها أمكن له قبل السقوط أن يتمتع بصلاح الله والتي عن طريقها تمكن من أن يكون له الله ، لا بل أن يتمتع بحضوره ، إذ كان يتنازل له المجد ويسير في الجنة دخل الإرادة الذاتية والشهوة البشرية في طبيعة الإنسان وبالتبعية أدخلت روح المذنوبية والخوف فيما يتعلق بمركزه أمام الله وأخيرا صدر الحكم بطرده من المكان الذي لم يعد يوافق حالته وطرد أدبيا من حضرة الله وما كان أرعبها حاله لو تمكن آدم من الأكل من شجرة الحياة فيعيش ويملأ الأرض من الخطاط الخالدين الذين لا يخافون الموت ولا يخشون الله ولكن الله لم يسمح بذلك .

على أنه توجد بعض حوادث مهمة جدا يجدر بنا أن نلاحظها في مسألة القضاء الذي وقع الإنسان تحت طائلته .

رأينا فيما سبق أن آدم هرب من حضرة الله لكن القضاء الذي نطق به الله عليه وعلى حواء ( تك 3: 14-19 ) كان قضاء دائرته الأرض ولم يتعد إلى دينونة النفس ثم أن آدم وحواء وضع في حاله تعسة شقيه تحت نير الآلام والموت . غير أن آدم قبل أن يطرد من الجنة استطاع بالأيمــان ( كما يبدو لنا ) أن يعترف بالحياة في نفس المكان الذي دخل إليه الموت ( تك 3: 20) . لا بل هناك ما هو أكثر من ذلك هناك الكلام عن النسل الذي كان لابد أن يسحق رأس الحية فالمسيح نسل المرأة ( التي عن طريقها دخل الشر إلى العالم ) كان عتيدا أن يبيد كل سلطان العدو ومن ثم كما أفسدت الخطية الطهارة وأعطت الإنسان عن طريق عار العري شعورا بفقد تلك الطهارة تنازل الله نفسه ( بواسطة الموت ) وكسا آدم وزوجته وغطى عريهما ( تكوين 3: 21) .

قبل ذلك لم يكن هناك شعور بالشر أما الآن فقد عرف الشر ولكن الله غطاه بعمله الإلهي . حاول الإنسان أن يستر الخطية عن نفسه ولكن حالما سمع صوت الله لم تصبح لأوراق التين قيمه ما إذ لم يكن لها نفع لدى ضمير متيقظ في حضرة الله إذ قال لأني عريان فاختبأت كذلك بعد طرده من الجنة لم يرجع له الله طهارته الأمر الذي لم يكن مستطاعا بل تنازل وعمل ما هو أسمى من استعادة الطهارة إذ كسا آدم وزوجته لكي يتسنى له تعالى أن يرى عمله الخاص أي ما يليق به تبارك أسمه في حالتهما التي كانا عليها وقد أتم ذلك العمل بنفسه بنعمته علاوة على سحق ذاك الذي قادهما إلى الشر .

ومع ذلك فالإنسان طرد من الجنة التي فيها كان متمتعا بكل بركات الله بدون إيمان وأخرج منها لكي يفلح الأرض ولينفصل عن الله الذي كان قبلا يتنازل ويسير في هبوب ريح النهار في الجنة حيث كان يسكن آدم وامرأته ولكي يموت أخيرا . ومن ذلك الحين أصبح الإنسان يعرف الله بالإيمان فقط متى وجد الإيمان في القلب وكان ذلك مبدءا جديدا ذا أهميه كبرى وخلاصة الموقف أن آدم خسر الله وحصل على ضمير وأصبح ملتزما إن استطاع أن يعيش في جهاد أليم لكي يستطيع أن يحصل على قوته الضروري الزمني كما كان عليه أن يجد الله لو استطاع إلى ذلك سبيلا . على أنه كان حينئذ خارج المكان الذي كان الله في رحمته يتردد عليه والتي كانت بركاته تعالى فيه تغني ولا يزيد معها تعبا أو جهادا . هرب الإنسان من محضر الله وطرده الله من ذلك الحضور المقدس ولم يعد آدم بعدئذ في العلاقة التي أوجده الله ليكون فيها معه تعالى وذلك بالنظر إلى حالته النفسية أو للحكم الصادر عليه فقد صار في الخطية عوض أن يستمر في الطهارة .

أعود وأقول أنه هرب من محضر الله وأن الله طرده من المركز الذي كان قد وضعه فيه حينما خلقه. فتجنب عن الله بضمير شرير عارفا الله فقط بالقدر الذي يجعله يخاف منه ولكنه مع ذلك عرف أن نسل المرأة سيسحق رأس الحية بعد أن اكتسى بواسطة نعمة الله وعمله بثياب كانت في ذاتها شهادة للموت ولكنها كعطية من الله كست تماما ذلك العري الذي كان الشعور به دليل سقوط الإنسان ودليلا على حالة الخطية التي هو فيها . وها هو الإنسان أخرج خارجا فهل يستطيع بعد الآن أن يدخل إلى حضرة الله ليعبده تعالى وليكون أدبيا مع ذاك الذي هجره هو من تلقاء نفسه ؟ هذه معضلة جديده تبرز في تاريخ آدم وسنجد حلها فيما يلي .

قدم هابيل ذبيحة لم تكلفه في الواقع شيئا ولكنه قدمها بالإيمان معترفا في تقديمها بأنه خاطئ وبأنه خارج الجنة بعيد عن الله ومعترفا أيضا بدخول الموت في مشهد حياة الإنسان ولكنه في نفس الوقت أعترف بنعمة الله التي كسرت عري أبويه ومقتربا منهم تعالى بذبيحة كفارة استطاعت وحدها أن تنزع الخطية كما استطاع الخاطئ بواسطتها أن يدنو من الله بفضل موت شخص آخر غيره .

وقد تمثلت في ذبيحة هابيل صفات الله في المحبة والبر كما تمثلت فيها أيضا حالة هابيل التي قدمها بالإيمان فقبلها الله كما قبل هابيل نفسه شاهدا لقرابينه 0 ( عب11: 4 ) . فهابيل قبل لدى الله بحسب قيمة قرابينه التي ترمز إلى المسيح . سبق أن غطى الله عري آدم وها هو هابيل يأتي إلى الله معترفا بمركزة وبالذبيحة الكفارية التي بواسطتها وحدها كان يستطيع أن يدخل إلى حضرة الله أما قايين فعلى عكس ذلك نراه يقدم نفسه بثمار جهاده المضني . كان لابد للإنسان منذ خرج من حضرة الله أن يقترب إليه تعالى ليعبده وكل الذين ليسوا مرتدين علنا ليس فقط عن المسيح بل عن الله يعترفون بهذا . بل حتى قايين نفسه يعترف به لكن أنظر أيها القارئ إلى كيفية اعترافه فقد ظن أنه في إمكانه أن يأتي كما هو ولماذا لا ؟ أنه لا يفكر في شئ من جهة الخطية لأن حقيقية طرد الله للإنسان من الجنة لم تغير شيئا في أفكاره . فتراه يقدم نفسه كما لو لم يحدث شئ وأكثر من ذلك نراه في عماه الأدبي وعدم إحساسه يقدم من ثمر عمله ولو أن تلك التقدم كانت من أتعابه إلا أنها في ذاتها كانت علامة اللعنة التي كانت حينئذ منصبه على الأرض فلا هو أعترف بما في نفسه ولا بما هو الله تعالى ولا بالخطية ولا باللعنة التي كانت واقعة على عمله كنتيجة للخطية . لقد كان على الإنسان وهو خارج الجنة أن يقترب إلى الله كما قلنا والله نفسه يخبرنا في كنز المبادئ السامية المدونة في سفر التكوين كيف يستطيع الإنسان في كل العصور والأجيال أن يقترب منه تعالى وكل هذه التواريخ تشتمل على أساس علاقاتنا مع الله بينما تظهر في نفس الوقت حالة الإنسان .

لقد رأينا في آدم الخطية ضد الله والآن نرى في قايين الخطية ضد الأخ وبذلك كملت الخطية أغتاظ قايين لأن الله رفضه وبعد الاغتياظ دخلت خطية القتل إذ قتل أخاه . وبعد أن قتله سأله الله سؤالا لا يقول له فيه ما قاله لآدم ( أين أنت ) ( لأنه كان ينبغي على آدم أن يوجد في حضرة الله بملأ الغبطة ) وكلمة أين أنت تضمنت بين ثناياها مركز آدم الفعلي حينئذ لم يسأل الله قايين هذا السؤال بل سأله قائلا ماذا فعلت . ومع ذلك فأنه تبارك أسمه يكلم قايين أول كل شئ عن موضوع علاقاته معه تعالى ( إن أحسنت أفلا رفع ) وأيضا إليك اشتياقها (5) وأنت تسود عليها هذا وإن لم تحسن فعند الباب خطية أو ذبيحة خطية (5) لأن الكلمة العبرانية تشمل المعنيين رابضة بمعنى أن هنالك علاجا . نعم أن العبارة الخاصة بمسألة ذبيحة الخطية وردت معترضة ولكن هذه هي المبادئ العامة لعلاقتنا مع الله . فإذا أحسن الإنسان فهو مقبول عند الله وإن لم يحسن فهناك ذبيحة خطية قد وضعتها نعمة الله عند الباب ولاحظ أيها القارئ أن ذبيحة هابيل لم تكن ذبيحة خطية لأنه لا هابيل ولا قايين أتيا أمام الله بضمير متأثر تحت ضغط شعور بتعد معروف ولكن بيت القصيد هو حالة كل منهما حالة الإنسان الأدبية أمام الله ففي أولهما أي هابيل نرى الإنسان الذي يعترف بنفسه مطرودا من حضرة الله ولكنه يقترب من الله تعالى بمقتضى النعمة وفي ثانيهما أي قايين نرى الإنسان الطبيعي الذي لا يشعر بالخطية وفي جواب الله لقايين نرى أن الموضوع هو التعدي الإيجابي الصريح وهذا يؤيد الفكرة القائلة بأن المقصود في العدد السابع هو الذبيحة لأجل الخطية وليس الخطية ذاتها . على أن قايين كما قلت أذنب ضد أخيه وبذلك ملأ مكيال الخطية من ناحيتها الثانية الأمر الذي لم يكن مستطاعا لآدم . ومن ثم نسمع الله يعلن الحكم ضد قايين الذي إذ رأي نفسه ملعونا في تعبه وأصبح تائها وهائما على وجهه أستسلم للقنوط واليأس ومن ثم فإذ قد ترك نهائيا حضرة الله الذي تنازل بالنعمة وكلمه نراه يسعى ليثبت قدميه في الأرض التي جعله الله فيها تائها أي أرض نود ونود معناها تيه كما يرى في حاشية الترجمة العربية ومن هذا ابتدأ العالم .

فنرى قايين يبني مدينة ويدعوها باسم أبنه ونرى بنيه يغتنون ويبتدعون صناعة الآلات ويدخلون وسائل الفن والموسيقى ويجعلون أنفسهم سعداء جهد طاقتهم بدون الله . ولا شك عندي أننا نجد في قايين علاوة على الحق العام صورة لليهود في قتلهم للرب وهم يحملون علاماتهم على جباههم نظير قايين . وبعد ذلك نرى لامك يتبع هوى نفسه ويتزوج من اثنين على أنه هو الآخر يعطينا على ما أرى صورة إسرائيل في الأيام الأخيرة . أما شيث فهو رجل مشورات الله ويرمز إلى المسيح وهكذا تكونت على الأرض عائلتان لكن عداء الواحدة ضد الأخرى قد ظهر من قبل في قايين ضد هابيل ( قارن 1 يو 3: 11-12 ) وفي الوقت نفسه هناك شهادة الله فنرى أخنوخ يتنبأ عن مجيء المسيح بالدينونة ونرى نوحا الذي يجتاز دينونة الأرض سالما وكأنه يعود ثانية إلى الحياة في عالم جديد .

أراني توسعت بعض التوسع في هذا الجزء من التاريخ المقدس والسبب هو أنه يرينا حالة الإنسان الساقط والمبادئ التي على مقتضاها أصبح في علاقة مع الله بدون فرائض دينية ولو أنه ليس بدون شهادة من جانب الله فكما أننا في آدم وحواء وهما في حالة الدينونة الموجود فيها الإنسان نرى النعمة الإلهية التي كستهما قبل طردهما من الجنة وفي هابيل نرى الذبيحة التي بها استطاع الإنسان الساقط أن يقترب إلى الله كذلك نرى في أخنوخ الحياة الأبدية رمزيا وأخيرا نرى في نوح إعلان إنقضاء الدهر واجتياز الدينونة وكل هذه الأوجه التي ذكرناها هنا نراها مذكورة من حيث مبادئها الرئيسية بالنعمة في ( عب 11: 1-7 ) ولكن الإنسان الساقط تقدم من رديء إلى أردأ فلم يبق سوى نوح الذي خلصه الله واستبقاه حينما أهلك العالم .

وينبغي أن نلاحظ بدقة فيما يختص بالحقائق المدونة في هذا الجزء من التاريخ مع كونها تحوي مبادئ عميقة جدا وأبدية في طبيعتها وأثرها ، إلا أن تاريخ وقوع الدينونة علي آدم ، وتاريخ وقوعها على العالم ، إنما هو صورة لتاريخ هذا العالم وان هذه الدينونات سياسية وتتعلق بالحياة الحاضرة .

بنوح يبدأ عالم جديد يفتتح بالذبيحة . وهنا تذكر " المحروقات " بصريح اللفظ ويذكر أنها تقبل لدى الله تعالى . وعلى هذا الأساس ( أي أساس الذبيحة ) وعد الله بعدم لعن الأرض مرة أخرى وبعدم ضرب كل حي ، بل طالما الأرض موجودة فالأزمنة والأوقات تجري مجراها بحسب نظام الله الثابت المقرر . لكن الإنسان لم يعد بعد صاحب السلطة التي يحق مطلق كانت تدعو الحيوانات بأسمائها في سلام . كما كان في الجنة ، بل بقي له في صلاح الله أن تكون خشيته ورهبته على تلك الحيوانات وأن يأكلها طعاما له ما عدا دمها ، رمز الحياة ، فقد كان عليه ألا يمسه . بعد ذلك سلمت له مقاليد السلطة القضائية لكبح جماح الظلم الذي أصبح طليقا . ووضع قانون إلهي وهو أن سافك دم الإنسان بالإنسان يسفك دمه ، وان الله يطلب نفس الإنسان من يد الذي يقتل أخاه . ولإمكان تنفيذ هذا القانون قلد الله الإنسان سلطة كافية . وبعد ذلك وضع الله القوس في السحاب كعلامة ميثاقه تعالى مع الخليقة بأسرها على ألا يكون طوفان فيما بعد .

وتحت نظام هذه السياسة نحن نعيش الآن على الأرض إلا أن نوحا لم يستطع - وهو بعد في إبان تمتعه بالبركات الممنوحة له - أن يحتفظ بمركزه إذ سكر فلحقه الهوان . وكان من نتيجة ذلك أن قسم العالم إلى ثلاثة أقسام : أحدها له علاقة بالله ، والثاني وهو جنس ملعون ذكر بالنسبة لعلاقته بتاريخ إسرائيل ، والثالث جمهور الأمم . على أننا بعد هذا التقسيم نرى الإنسان يحاول أن يكون عظيما على الأرض وأن يركز في مكان واحد سلطان الجنس البشري الذي كان إلى ذلك الحيــن لا يزال واحدا . ولكن الله أفسد عليه مشروعه بواسطة لغته حين بلبل ألسنة الناس . وبعدئذ أقيمت السلطة الملكية على يد نمرود وابتدأت بابل وأرض شنعار تشتهران . هذه مبادئ عالمنا ، بل هذا هو عالمنا .

على أن هناك عنصر آخر يبرز في التاريخ وهو الوثنية . فالشيطان بصفته المجرب لم يعمل على جعل الإنسان شريرا فقط بل جعل نفسه ألها للإنسان لكي يعاونه في إشباع شهواته وأشواقه . فالإنسان بعد أن خسر الله كالذي رغما عن ذلك أستمر في علاقة معه إذ بدأ عهدا جديدا في نوح ، جعل لنفسه إلها من كل شئ ظهرت فيه قوة الطبيعة ، صانعا منها ألعوبة لخياله مستخدما إياها لإشباع شهواته . وهذاكل ما كان يملكه . وحتى ذلك الجنس الذي كان في علاقة مع الــــرب ( تك 9: 26 ) نلاحظ عليه أنه سقط في نفس الهوة ( يش 24 : 2 ) وياله من سقوط شنيع مع إن الإنسان لم يقدر أن يتخلص من الشعور بوجود اله ، كائن أسمي منه ، ومع أنه كان يخافه تعالى ، إلا أنه مع ذلك صنع لنفسه عديدا من الآلهة الأدنى منه ، والتي حاول أن يبعد عن نفسه في حضرتها ذلك الخوف وبها يجد ما يشبع شهواته ، مخفيا ذاك الذي ظل في الواقع " الإله المجهول " وأصبح كل شئ آخذا صورة الله في عيني الإنسان ، فالنجوم ، وأجداده ، وأولاد نوح ، وأعضاء من الجنس البشري أقدم منهم وغير معروفين ، وقوة الطبيعة - كل هؤلاء أخذوا صورة آلهة للإنسان -أما الله الإله الحقيقي فلم يكن له .. على أنه احتاج إلى اله ، وفي حالة العوز والشقاوة صنع لنفسه آلهة تتفق مع هواه وخياله ، وكانت هذه فرصة انتهزها الشيطان . لكن ما أنعس الإنسان بدون الله حينئذ تداخل تعالى بسلطانه المطلق مقصرا أيضا حياة الإنسان للنصف ، كما نلاحظ في هذا التأمل العاجل ، من بعد الطوفان ، وقصرها أكثر في زمان فالج الذي في عهده قسمت الأرض نظاميا .

على أن انتشار الوثنية ونفوذها العالمي أعطى فرصة كما قلت سابقا لتداخل الله ، ذلك التداخل الذي نرى صفته مطبوعة على أهم طرقه وأعظمها شأنا . فدعا إبراهيم وأمره أن يخرج من بيئة الفساد التي كانت تحوطه حتى يجعل منه أصلا لشعب خاص . وفي إبراهيم أب المؤمنين نرى ثلاثة أو أربعة مبادئ عظيمة : فنرى مشيئة الله المطلقة التي يدعوها الكتاب " الاختيار " ونرى الدعوة ثم المواعيد ، وأخيرا سجود الشخص الغريب على الأرض . وقد أنتجت هذه الحالة الأخيرة . أي حالة امتلاكه للمواعيد مع عدم حصوله على الشيء الموعود به أن أشواقه وعواطفه ورجاءه تعلقت بما هو خارج هذا العالم ولو أن ذلك كان لا يزال بطريقة غامضة . ولكن بعض الإعلانات الإلهية أضيفت فأوضحها ، وقد ميزت هذه المبادئ شعب الله منذ ذلك اليوم فصاعدا .

هذا هو إذا مجمل معاملات الله الجديدة : حينما باع العالم نفسه للوثنية دعا الله رجلا ليكون خاصة له تعالى ، بعيدا عن العالم ، جاعلا إياه مستودع المواعيد . لاشك أنه وجد أناس مؤمنون قبل إبراهيم ، ولكنهم لم يكونوا قط أصلا لجنس ( كما كان آدم رأسا وأصلا للجنس الساقط ) إلا أن إبراهيم هو رأس لجنس ، إذ حتى نحن باعتبارنا للمسيح ، نحن نسل لإبراهيم .

وليس أكثر من حياة إبراهيم معلما ومثقفا . على أننا هنا إنما نلاحظ فقط ما يميز معاملات الله . أقر إبراهيم بأنه كان نزيلا وغريبا ، وبنى مذبحا لله عندما أتى إلى الأرض التي أعطاه إياها الله ، والتي لم يكن له فيها وطأة قدم . لم يكن له سوى المذبح والخيمة . فكان يقيم خيمته وبنى مذبحه حيثما كان ينزل للسكن . على أننا بعد قليل نراه يسقط إذ ينزل إلى مصر دون أن يستشير الله . ولكنه تعالى حفظه . إلا أنه منذ ترك أرض كنعان إلى أن رجع إليها كان بلا مذبح بعد ذلك وعده الله بنسل كثير ( هو إسرائيل ) تعطى له الأرض ملكا ، وفوق ذلك وعده بأن جميع قبائل الأرض تتبارك فيه . وبعد تقديم اسحق لله ، الابن الذي كانت به المواعيد ، وأخذه إياه بالقيامة ، نرى أن بركة الأمم تتمكن من نحو النسل - الذي هو المسيح ( قان غل 3: 16 ) . والمواعيد هي بدون شرط ، أي أنها مرتبطة بقصد الله الثابت - وسوف يتبارك إسرائيل في الأيام الأخيرة بواسطة هذه المواعيد ،والمسيحيون يتمتعون بها من الآن ( هذا إذا لم نتكلم عن إعلانات وأمور أخرى تمت ولها أهمية لا تحد ) . أرادت سارة أن تحصل على " النسل " بحسب الجسد وقبل الوقت المعين ، ولكن كان لابد أن يقوم كل شئ على أساس الوعد لأن المسألة كانت نعمة من الله ، وإيمان ورجاء من الإنسان - نعم رجاء ، لأنه حتى ذلك الوقت لم يكن شئ قد تم ( وهذا هو الواقع من حيث المجد إلا فيما يتعلق بشخص المسيح ) . وغاية ما في الأمر أن الله كان اله إبراهيم كما واله اسحق ويعقوب الوارثين معه نفس الوعد . وفي اسحق نرى رمزا لعلاقات المسيح مع الكنيسة ، بينما في يعقوب ننزل إلى منطقة ودائرة الشعب الأرضي .

يعقوب هذا ذهب بعد ذلك إلى مصر ، وهناك ذل الإسرائيليون تحت نير العبودية - عبودية المصريين القاسية - كما نحن مستعبدون للخطية في الجسد ( هذا عن الإنسان إطلاقا لأن المؤمن أصبح حرا طليقا من هذه العبودية ) . والعبودية تدخل مبدءا آخر عمق الأهمية ، هو مبدأ الفداء . ويرتبط بهذا المبدأ آخر هو وجود شعب لله على الأرض شاء الله أن يسكن في وسطهم ( خر 3: 7 ، 8 ، 6 : 1-8 ، 29: 45 ، 46 ) . وأنها لنعمة مطلقة تلك التي تهتم بمذلة الشعب وتسمع صراخهم . على أن الإسرائيليين كانوا في الخطية كالمصريين . فكيف يستطيع الله أن ينقذهم ؟ أجل ، فقد وجد فدية : وجد دم خروف الفصح الذي يرمز إلى شخص المسيح . وقد رش ذلك الدم بالإيمان على عتبة وقائمتي كل باب ولذلك فإن الله الذي كان يضرب في الدينونة " عبر " عن الشعب المحتمي في الدم . وأكل إسرائيل الخروف الذي ذبح وحماهم من الدينونة - أكلوه على أعشاب مره وفطير ، أكلوه على مرارة الأتساع والحق في القلب ، وكانوا ممنطقي الأحقاء عصيهم في أيديهم وأحذيتهم في أرجلهم تاركين مصر بعجلة . وبعد هذا يأتي خلاص الشعب عندما أتوا إلى البحر الأحمر ، حين قيل لهم " قفوا وانظروا خلاص الرب " وقعت قوة مصر تحت الدينونة المنفذة بينما إسرائيل أخرج من مصر منقذا وقد أتى به اله الله - وبذلك تم الفداء وما عاد الشعب يرى المصريين إلى الأبد ( خر 14،15 ) .

على أنه وجد نوع آخر من الحياة يعزه الله : فقد كان على إسرائيل أن يشرب من مياه الموت المرة ( أي مارة ) التي أجتاز المسيح في حقيقتها لأجلنا . وقد أطعموا بالمن الذي يرمز إلى المســيح ، وشربوا من ماء الصخرة ، الذي يرمز إلى روح الله ، وحفظوا في الحرب بقوة الأعالي على أن الكل بالنعمة . فقد عمل الله بها ، وتمجد حيث فشل الإنسان وخاب . وصار الإنسان نفسه مع الله لأن الفداء يأتي بنا إلى الله ( خر 19: 4 ) غير أنه قد أضفيت مرحلة السفر تحت النعمة - تلك المرحلة التي يمكن الوصول بها إلى الله - وأضيفت بمبادئها العظيمة . فتأسس السبت الذي هو راحة الله . وكان للشعب المفدي نصيب في هذه الراحة . ونلاحظ أن الراحة مرتبطة بالمن الذي هو المسيح ، كما أن المصارعة مرتبطة بماء الصخرة .

وهنا نرى بعض الأعداد في ( خر 15 ) من حقها علينا أن تستدعي التفاتنا . فمن الجهة الواحدة نقرأ القول " ترشد برأفتك الشعب الذي فديته . تهديد بقوتك إلى مسكن قدسك " ( ع 13) ولكن نقرأ أيضا من الجهة الأخرى القول " تجئ بهم وتغرسهم في جبل ميراثك ، المكان الذي صنعته يا رب لسكنك " ( ع17 ) أي أنه قد أتي بهم إلى الله نفسه ، ففداؤهم إذا مطلق وكامل .ولكنهم أيضا - سيدخلون في الميراث الموعود ( وهذا تم تاريخيا ) . ويلاحظ القارئ إن ما جاء في ( خر 3،4 ) وكذلك ( ص15: 1-21 ) لا دخل فيه للبرية إذ ما دام عمل الفداء كاملا فلا ضرورة للبرية. لأن الفداء بالنظر إلى كونه من الله بالنعمة ، هو دائما كامل ويؤهل النفس للوجود مع الله مباشرة . وهذا نراه في اللص الذي جعله الفداء أهلا للوجود مع المسيح في حال إيمانه كما أهلنا نحن ( كو 1: 12 ) . ولئن كانت البرية لا تكون جزءا من مشورات الله . تلك المشورات التي فيما يتعلق بنا تشير إلى الفداء والميراث - إلا أنها تكون جزءا من طرق الله . أنظر أيها الأخ إلى ( تث 8: 2، 3 الخ ) تر دليلا على ما نقول : هناك يقال أن الله يجربنا لنعرف ذواتنا ولنعرفه تعالى : فكل المعترفين يوضعون تحت الامتحان على أساس الفداء مكمل ، فإذا كانوا ولا حياة لهم فإنهم يسقطون في الطريق بينما المؤمنين الحقيقيون يثبتون إلى النهاية . على أن هنالك نوعا آخر من الامتحان : هنالك امتحان للشعب ، وما يقترن به من التأديب ( تث 8: 5،15، 16). ومن هذه الوجهة نحن ، كمبدأ ، تحت ناموس (6) أي باعتبار ما نحن أمام الله بالنظر إلى سياسته . على أننا في هذه المسؤولية ننقاد ونسير تحت رعاية عصا الكهنوت ( وهذا الجزء من الرمز ينهيه موت هرون ، والبقرة الحمراء عدة خاصة للتطهير من داسات البرية ) . نقول أن هذا عن مسئوليتنا لدى الله ، ولكن حينما يكون التبرير هو الموضوع فلا ذكر للناموس . ففي نهاية رحلة البرية - وهي كتابة عن حياة الاختبار على الأرض - " في مثل هذا الوقت ( أي في نهاية البرية ) سيقال عن يعقوب وعن إسرائيل : ما فعل الله ؟ " أما على طول الطريق في خلال البرية فكان السؤال : ماذا فعل إسرائيل ؟ .

في هذا التلخيص العاجل قد وصلنا إلى نهاية سفر العدد ، ونحن قادمون إلى يشوع في سفر الخروج نرى البحر الأحمر وهو رمز إلى موت المسيح لأجلنا ، وفي يشوع نرى نهر الأردن وهو رمز إلى موتنا نحن مع المسيح . وقد حصل تاريخيا أنه بعد عبور النهر أشتبك الشعب في حرب باعتبارهم جند الرب ، الأمر الذي يشير إلى مصارعتنا نحن مع أجناد الشر الروحية في السماويات على أنه قبل الحرب يوجد الجلجال - وهو رمز لتطبيق موتنا مع المسيح على حالة نفوسنا في تفاصيل الحياة العملية . وفي الجلجال كانت الحلة دائما ، أي أننا في الجلجال نذكر بالإيمان اتحادنا مع المسيح في الموت . وبعد ذلك نرى المن الذي هو طعام البرية والذي يشير إلى حياة المسيح على الأرض ، نراه ينقطع وتحل محله غلة الأرض التي تشير إلى مسيح سماوي . وبعد غلة الأرض يبرز رئيس جند الرب .

والنجاح في الحرب والبركة في البرية كانا يتوقفان على حالة أولئك الذين لهم صلة مباشرة بالله نفسه . فكان قد باركهم تعالى ، ولكنه كان يحكم وسط شعبه . على أن هذين الأمرين ،أي البرية والحرب - الحرب التي كان يشنها إسرائيل باعتباره جند الرب - لا توجدان في الواقع في نفس الوقت الواحد وان كانا يسيران في نفس فترة الحياة على الأرض . أما الخلاص ، أي الفداء ، فعند البحر الأحمر ، بينما العتق ، كشيء اختباري ، فعند الأردن . عند البحر الأحمر امتدت العصا فضربته فهرب البحر ( إلا من جهة كونه بقي حمى للشعب ) بينما في الأردن وقف التابوت حتى عبر الشعب كله . وحسن أن نلاحظ أن الاشتراطات والالتزامات (7) ، التي كانت في أعناق الشعب كمسؤولين لا تدخل في الخلاص بل تتعلق بمرحلة البرية . ولذلك فالذين لهم إيمان ولهم حياة ( أي الذين تمتعوا بالخلاص ) ينالون ( باعتبارهم سائرين في البرية ) مع الاشتراطات الوعد بأنهم سيحفظون ويثبتون إلى النهاية . ولذلك فليس هناك أقل شك أو عدم يقين أمام الإيمان . إنما المسألة هنا مسألة علاقة باله حي يعرف اختبارا وليست مسألة عمل قد تم بالنعمة . أما بالنسبة لإسرائيل تاريخيا فنفهم أنهم قبلوا المواعيد عند جبل سيناء تحت شرط طاعتهم . وهذا هو العهد الأول الذي تثبت بوسيط ، الأمر الذي يفترض وجود طرفين . والتمتع بنتائج الوعد ، وقد كان متوقفا على أمانة الإنسان بقدر توقفه على أمانة الله ، لم يكن أكثر ثباتا أو ضمانا من الطرف الأضعف( أي الإنسان ) إذ الواقع أن العجل الذهبي عمل حتى قبل أن ينزل موسى من على الجبل . أما عهد الله الجديد مع إسرائيل ويهوذا في المستقبل فأنه سيتأسس على النعمة ، وذلك حينما يرجع الرب ويغفر خطاياهم غير ذاكر إياها لهم ، متمما عمله في كتابه شريعته على قلوبهم اللحمية لا على ألواح حجرية . على أن هناك الحقيقة الهامة وهي أن الشعب عند سيناء ارتضى أن يقبل البركة تحت شرط طاعة سابقة وهذا غير صفة الخطية وجعلها خاطئة جدا ليس فقط لأن الأعمال كانت شريرة في حد ذاتها بل لأنها وصلت إلى كسر الناموس الذي ربط سلطان الله بصفة رسمية بالتزام العلاقات التي كان الناموس يحذر وينهي ضد العبث بها . نعم أن العلاقات والالتزامات كانت موجودة قبل ذلك لكن الناموس جعل العبث بالالتزام تعديا مباشرا ضد مشيئة الله الصريحة . فتحت الناموس لم يكن البر الإنساني وحده في خطر بل كذلك سلطان الله نفسه . وكما سبق القول لم تكن الوصية الأخـــيرة " لا تشته " تعالج خطية فعلية ، حتى ولو في الجسد ، بل تعالج أول بواعث الجسد وأهوائه ( أي الشهوة ) . والنفس المولودة من الله كانت تقودها هذه الوصية إلى اكتشاف أصل الخطية في الجسـد ( الإشارة إلى رو 7) . على أنه لو أمكن إتمام الوصايا العشر لما كان البر الناتج عن إتمامها سوى مجرد بر إنساني .

وتمت مبدأ عظيم آخر سبق أشرنا إليه ، والآن يجد تحقيقه ، وهو سكنى الله وسط شعبه على الأرض : ففي وسط إسرائيل أقام الله عرشه . وأرتبط بذلك أمران : أولهما سياسة الله المباشرة ، كمن عرفه الإيمان كإله الأرض كلها ، وثانيهما : إمكانية الوصول إليه تعالى في ذلك المكان . فإلى ذلك الحين لم يكن الله قد أعلن ، بل كان مستترا وراء حجاب ، ولكن الذبائح كانت تقدم هناك ، أي أن كل روابط ديانة الشعب مع الله ( أو على الأقل روابط عبادته ) كانت تنفذ وتتركز حول نقطة ذلك المسكن . هناك كان مسكن الله يطهر سنويا ، وخطايا إسرائيل تمحى بواسطة الذبائح التي كانت ترمز لذبيحة المسيح . وفي نفس الوقت كانت الخيمة -أمثلة السماويات ، إلا أن الحجاب ( الذي كان يحول دون الدخول إلى قدس الأقداس ) لم يكن قد شق ، ولم يكن في استطاعة الإنسان أن يدخل إلى قدس الأقداس إلا رئيس الكهنة مرة في السنة . هذه كانت حالة الشعب : قبلوا الناموس كشرط إتمام المواعيد من ذلك الحين فصاعدا ، كان حضور الله في وسطهم ، ولكنه لم يكن مصرحا القدوم إليه إذ وراء حجاب سكن يهوه ، وكانت سياسته تعالى تجري وسط الشعب ولخيرهم وصالحهم . ولكن الخيمة وكل طقوسها لم تكن سوى ظل لا " نفس صورة الأشياء " . ولا جل هذه العلة الأخيرة نرى أن ما جاء في رسالة العبرانيين هو مفارقة أكثر منه مقارنة .

ولنلاحظ باختصار ( على سبيل المرور ) نعمة الله وتنازله في معاملاته مع شعبه لقد كان إسرائيل في العبودية ومن ثم نزل الله لينقذهم ويفديهم ، كان عليهم أن يتغربوا كسياح في البرية وحينئذ سكن الله أيضا في خيمة وسطهم ، دخلوا في حرب في كنعان وهناك ظهر الله ومعه سيف مسلول كرئيس جند الرب ، سكنوا في سلام في كنعان وهناك أيضا سكن الله في وسطهم وقد شيد لنفسه بيتا كبيوت الملوك .

وإذ قد ألمعنا بخلاصة موجزة عن البرية ووصلنا الآن إلى نهايتها أرى حاجة لأن أقول بضع كلمات عن سفر التثنية الذي هو كتاب قائم بذاته . وهذا يعطيني فرصة لملاحظة صفة الأسفار الخمسة معا . وستكون ملاحظاتي قصيرة .

فسفر التكوين يضع جميع الأسس وكافة المبادئ العظيمة المرتبطة بعلاقة الإنسان مع الله . هناك نجد الخليقة ، والسقوط والذبيحة ، وانفصال القديسين عن العالم ، ودينونة العالم ، والسياسة الرقيبة على الشر ، ودعوة الله عند ما دخلت الوثنية ، والمواعيد ، وذرية الله - ذلك الشعب الذي كان خاصة له تعالى ، سائحين وغرباء ، ولكن لهم عبادة منظمة دائمة - دون أن يكون لهم خلاف ذلك دستور ديني ، ثم نرى القيامة في اسحق ، ونجد اليهود الشعب الأرضي في يعقوب .

أما سفر الخروج فنجد فيه الفداء ، والناموس ، والخيمة ، وشعب الله ، وحضور الله على عرشه في الأرض ، والعهد العتيق ، والكهنوت .

وفي اللاويين نرى تفاصيل الذبائح ، والطهارة الطقسية - وخصوصا ما يخص البرص - ويوم الكفارة العظيم ، والأعياد والمواسم ، والسنة السبتية ، واليوبيل الذي فيه يرجع كل واحد إلى ميراثه ، كما نجد لعنات نبوية في حالة العصيان .

وفي سفر العدد إحصاء الشعب ، وفرز اللاويين ، وشريعة الغيرة ، والإنتذار ، وتاريخ السياحة في البرية تحت إرشاد السحابة ، وعناية الكهنوت - كل ذلك مع تاريخ تصرفات وسلوك بني إسرائيل طيلة تلك الرحلة - والبقرة الحمراء ، وهلاك الشعب في البرية ما عدا اثنين والأطفال الصغار ، وحكم الله ينطق به بلعام بحسب نعمة الله السامية . ثم نجد أيضا في هذا السفر تفاصيل ذبائح أيام المواسم ولا سيما عيد المظال ، والنذور وامتلاك الأرض على الجانب الشرقي من الأردن وحية النحاس وميراث اللاويين . ومدن الملجأ . ومع أننا نجد في هذه الأسفار كلها تاريخا إلا أن التاريخ نفسه وليس فقط الطقوس والرسوم وهو مثال لأمور روحية . كما يقول بولس " وهذه حدثت مثالا وكتبت لإنذارنا نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور" . وما عدا ( لا 8، 9 ) لا نجد دليلا واحدا على تقديم ذبيحة واحدة في البرية إلا لملوك ورمفان .

أما سفر التثنية فأنه يشغل مكانا خاصا : هو يفترض أن الشعب في الأرض فيذكرهم بعصيانهم ويشدد على الطاعة - وغرضه هو حفظ الشعب في علاقة وثيقة مع يهوه . هو يعين مكانا في الأرض لوجود التابوت وإقامة العبادة والاحتفاء بالأعياد والمواسم وتقديم العطايا والعشور - ماعدا ما كان يعطى في السنة الثالثة للاوي في المكان الذي كان يسكن فيه . في هذا السفر قلما يظهر الكهنة لأن موضوعه الرئيسي هو الشعب في علاقة مباشرة مع يهوه حيث البركة متوقفة على الطاعة كما أن الدينونة والقضاء متوقفان على العصيان .وينتهي السفر بنشيد نبوي يعلن عن ارتداد الشعب وقضاء الله . ذلك القضاء الذي لابد أن ينصب على الأمم التي تظلم وتضايق إسرائيل .رأينا أن النقطة الرئيسية في سفري الخروج واللاويين هي الإتيان إلى الله والاقتراب منه تعالى ، أما في سفر التثنية فالنقطة الرئيسية فيه هي التمتع ببركات يهوه ( وذلك أيضا بروح النعمة للمحتاجين والفقراء ) وهم مباشرة تحت يد يهوه ومسؤولون بالأمانة أن يحفظوا الناموس الذي أعطاه لهم . ونلاحظ أن بعض الطقوس الخاصة بالمواسم ومدن الملجأ أعيد ذكرها في سفر التثنية ، ولكن الصفة البارزة التي أمتاز بها السفر عن سواه هي نظرته لبني إسرائيل كشعب بلا ملك أو نبي ( ولو أن الكهنة كانت تذكر أسماؤهم إلا أنهم نادرا ما كانوا يظهرون ) وصنعوا ليمتلكوا الأرض ، وليعبدوا يهوه الذي وهبها لهم . على أنه عندما كانت تدعو الحاجة ، في الوقت الذي يشير إليه هذا السفر ، كان الله يقيم أناسا غير عاديين ( أي القضاة ) ليصلحوا شؤون الشعب وينقذوهم من حالة الذل التي وصلوا إليها بسبب خطاياهم ولكن النقطة الرئيسية كانت دائما الرب والشعب وعلاقتهما المباشرة .

أما امتلاك أرض كنعان فمذكور في سفر يشوع كما فيه أيضا ذكرت بإيضاح مسؤولية الشعب. ولكن على العموم كان الله معهم ولم يستطع أي عدو أن يقف في وجوههم . كان تعالى مع يشوع طيلة حياته وأستمر كذلك طيلة أيام أولئك الذين كان شهودا لأعمال يهوه العجيبة .

ولكن بعد ذلك مباشرة ( في سفر القضاة ) سقط الشعب في عبادة الأوثان . فإذ فشل بنو إسرائيل في إبادة الشعوب الذين كان الله ينفذ قضاءه عليهم بواسطة شعبه ، تعلموا طرقهم الوثنية الشريرة وبذلك وقعوا تحت طائلة قضاء الله وسلموا لأيدي ظالمين ومضطهدين عتاة مختلفين . نعم أن الله كان وقت لآخر يقيم قضاة ، وكانت للشعب راحة وبركة في حياة القاضي ، ولكن سرعان ما كان يموت حتى يعود الشعب ويسقطوا في نفس العصيان فيعود الله ويسلمهم من جديد ليد أعدائهم .

وأخيرا ، في عرض الزمان أخذ التابوت وبذلك انتهت علاقة إسرائيل مع الله على أساس مسؤوليتهم . على أن الله ظل مع ذلك في طرقه ولم يكن أخذ التابوت سوى فرصة لإظهار تلك الطرق التي كان المسيح النقطة المركزية فيها ، ( فكان هو النبي والكاهن والملك - أي أن الله كان يتعامل مع الشعب عن طريق واحد من هؤلاء - وكلهم يرمز إلى المسيح ) لقد كان رئيس الكهنة هو حلقة الاتصال بين الشعب والمسؤول وبين الله - وكان التابوت هو النقطة التي حولها يمارس هذا الاتصال . إلا أن التابوت أخذ ، فلم يمكن أن يوجد يوم كفارة ( لأن غطاء التابوت يسمى غطاء الرحمة أو الكفوري ) ولا عرش الله في وسط شعبه ( إذ كان تعالى جالسا على التابوت حال وجـوده ) ولا رش الدم بحسب ترتيب بيت الله . وأين كان ذاك الجالس بين الكروبيم ؟ استطاع طبعا أن يضرب الوثن بقوته المقتدرة ، إلا أنه لم يعمل ذلك في أرض إسرائيل بل في أرض الفلسطينيين فالكل قد تلاشى وانتهى من ناحية إسرائيل على أساس مسؤوليتهم ، ولكن سلطان الله وصلاحه المطلق لم يمكن أن يبطلا أو يحدا . فقد تداخل تعالى في المشهد عن طريق نبي إذ أقام صموئيل ، عاملا تعالى ما سبق أن عمله يوم أن أخرج الشعب من مصر ( عن طريق نبي ) قبل أن يكون التابوت معهم : فالنبي المرسل من الله بسلطانه المطلق هو حلقة الاتصال بين الشـعب والله . وكان الله نفسه هو الملك في إسرائيل ولكن الشعب أرادوا أن يتمثلوا بالأمم ويسلكوا لا بالإيمان بل بالعيان فأقاموا عليهم ملكا بشريا هو شاول . وكان شاول في الظاهر وبصفة عامة ناجحا ولكن إذا تركه الله بسبب عصيانه ( الذي هو أيضا عصيان إسرائيل ) سقط في يد الأعداء الذين أقيم لإبادتهم . إلا أن الله ، بالنظر إلى المسيح ، أراد أن يكون له ملك - وكان داود هو هذا الملك . فالكاهن والنبي والملك إنما يعلنون فكر الله من جهة مسيحية كما أشرنا . ولكن الإنسان إنسان فقد أخلف سليمان داود أباه في الملك ومع أنه كان متمتعا ببركات الله ، إلا أنه كعادة الإنسان سقط وبذلك انقسمت المملكة.

ولا بد لي هنا أن أقول بعض الملاحظات عن الملكية نفسها - فهي بصفة عامة سلطة فعاله عاملة ، وفي ملكوت الله هي سلطانه تعالى ، والملك الذي كان يحكم في إسرائيل إنما كان الممثل لسلطان الله . كان هو العلامة لتداخل الله بالقوة . سبق أن رأينا مسلك الإنسان المسؤول تحت الكهنوت ، وبجانب ذلك رأينا النبي الذي كان يعمل بالنيابة عن الله بالكلمة . وكان هذا في ذاته نعمة من الله . ولكن في الملكية تتضافر القوة مع النعمة لإتمام مشروعاته تعالى . كان الله يعلم جيدا أن ينقذ شعبه وينتقم لنفسه من الآلهة الكاذبة وذلك بدون تداخل الإنسان معه في العمل ، ولكنه قصد في فكره أن يملك بواسطة إنسان ، وهذه هي الوظيفة الثالثة للمسيح . صحيح أنه باعتباره رئيس السلام نراه مرموزا له في سليمان ، ولكن من حيث ممارسة قوته وسلطانه نراه بارزا في داود كمتألم وكمخلص - وهذه ستكون الوساطة لإرجاع إسرائيل في الأيام الأخيرة . ففي ( مز 72 ) نرى الملك وأبن الملك - نراهما بالارتباط معا . ولكن داود هو الذي يرجع التابوت من قرية يعاريم إلا أنه لا يضعه ثانيا في خيمة الاجتماع حيث مظهر العبادة الخارجي ، بل على جبل صهيون الذي اختاره الله ليكون قصبة الملكية . ( انظر مز 132، 2صم 7: 1، 1 أي 16: 34 ). ثـم لأول مـرة ( لأن المسألة هنا مسألة نعمة ولكنها نعمة ممارسة بالقوة والسلطان ) ينشئ داود أنشودة الحمد التي عنوانها " لان إلى الأبد رحمته " . وقارئ الكتاب يلاحظ أن هذه الأنشودة أنشدها الشعب في زمان نحميا : فرصة في تمام المناسبة ، وهي فرصة رجوع الشعب إلى أرضهم . وكذلك نرى هذه الأنشودة ، كالمعدة للأيام الأخيرة ، في المزامير 106، 118 ، 136 . فلو أن الملكية وضعت تاريخيا على قاعدة المسؤولية إلا أن مبدأ النعمة العظيم الغير متغير ، النعمة العاملة بالقوة ، قد ثبت الآن في الملكية صلاح الله الصادق في شخص المسيح نحو إسرائيل " لأن إلى الأبد رحمته " . فقد وعد الرب داود بذرية مستديمة وبيت عامر ( 2صم 7: 12- 16 ، 1 أي 17: 11 - 14 ) . ولو أن بيت داود في الوقت الحاضر وضع تحت المسؤولية فخاب إلا أن المسيح ، أبن داود الحقيقي ، كان له مكانه المعين والمحدد في فكر الله ( 2صم 23: 5 ، قارنه مع عب 12: 18-22 ). والهيكل الذي بني فوق جبل المريا ، ولو أنه كان بكل تأكيد مسكن الله ، إلا أنه لم يكن له هذا الوعد بالبقاء إلى الأبد .

فسفر يشوع إذ يبدأ بالموت في الجلجال ، يعطينا القوة الروحية التي للمسيح كرئيس وقائد شعبه . وسفر القضاة يرينا سقوط الشعب ولكن في الوقت نفسه تداخل الله بالنعمة . وبعد ذلك يأتي صموئيل آخر القضاة ، وأخيرا تأتي الملكية .

تقدمت الأيام وسرعان ما ترك إسرائيل ، أي العشرة الأسباط ، الرب ألههم ولو أنهم كانوا باسمه يتكبرون ويفاخرون وجاء بعد ذلك انحطاط يهوذا وأن كان أقل سرعة من انحطاط إسرائيل . هذا هو التاريخ الذي نراه مسجلا في أسفار الملوك وأخبار ، وقد كتب السفران الأخيران ، أو بالحري أكملا بعد الرجوع من بابل . غير أن سفري الملوك يحويان على الأخص ( بعد انقسام المملكة ) تاريخ إسرائيل وتداخل الرب بواسطة إيليا واليشع . أما تاريخ يهوذا المذكور فيه فإنه يمتد إلى زمان السبي . إلا أن سفري الأخبار يحويان تاريخا لعائلة داود : (8) فإسرائيل قد فصلوا أنفسهم عن الهيكل ، وفي الواقع عن الرب ، بإقامتهم عبادة العجول الذهبية ، ومن ذلك الوقت أصبحت المسؤولية معلقة في عنق الملكية ، غير أن إسرائيل لم يتحولوا عن مركزهم الباطل . على أنه سواء بالنظر إلى إسرائيل أو يهوذا فإن هذه الفترة امتازت بأنبياء مرسلين من الله . فالله كان يفكر في الأمناء وسط إسرائيل في الوقت الذي فيه كان النبي لا يجدهم ولا يراهم . وهذه كانت شهادة قوية ومؤثرة لنعمة الله . فآليا كان نبيا عظيما ،لم يذق الموت ، ومع ذلك فقد رأى نفسه وحيدا في الوقت الذي كان الله فيه يرى سبعة آلاف من الأمناء . على أن الأنبياء في إسرائيل والذين أدوا الشهادة في يهوذا ، كانت لهم صفات بارزة متميزة .فإن جزءا كبيرا من سفري الملوك يقص لنا تاريخ إيليا واليشع ، وكانت شهادتهما تشير إلى حقوق يهوه في وسط الشعب المرتد - وأدت إلى حفظ الإيمان بالله الذي تركه الشعب - حفظ هذا الإيمان في قلوب الأمناء الذين كانوا مستترين في وسط الشعب . لم تكن هنالك أية شهادة عن المسيا الآتي (9) ولا عن معاملات الله بصفة عامة . غير أنه وجدت معجزات لا نجدها في تواريخ أنبياء يهوذا ( ما عدا معجزة العلامة التي أعطيت لحزقيا في عهد نبوة أشياء )وذلك لأن الإقرار والاعتراف بعبادة يهوه كان لا يزال في يهوذا ( والغرض من المعجزة هو تأدية الشهادة لله . لكن حيث شهادة العبادة فلا مجال للمعجزة ). وقد حفظ إيليا واليشع في ذاتهما وشخصيتهما شهادة يهوه في وسط الشعب المرتد ، وكما فعل موسى في إقامة تلك الشهادة ، عملا المعجزات ليحفظا الشهادة بنفسيهما . أما الأنبياء في يهوذا فكانوا يشددون على الأمانة في وسط شعب يعترف بعبادة الإله الحقيقي وبامتلاك هيكله ، وكانوا يشجعون الإيمان الفردي الشخصي ليس بالمعجزات التي كانت تعلن أن يهوه قدير ، بل بالمواعيد التي كانت تخص الشعب بمقتضى محبة الله وأمانته التي لا تتغير .

ضل إسرائيل وتشتت وسط الأمم والشعوب . وأخذوا أسرى على يد الآشوريين - ولكن ليس إلى الأبد ( إذ حينما يأتي المسيا سيجد العشرة الأسباط المفقودين الآن ) - بينما كانت معاملات الله الخارجية آخذه مجراها في تاريخ يهوذا ( أي أنه بينما كانت العشرة الأسباط مأسورة لأشور كان الله لا يزال يتعامل مع يهوذا ، لان إسرائيل سبي بمعرفة شامنأصر ملك أشور في عهد هو شع الملك سنة 730ق . م ( والسبي تم في سنة 721 ق . م ) في حين أن يهوذا سبي سنة 606 ق. م ) وقد ظلت خدمة الأنبياء إلى أن أصبحت الحال ولا علاج لها أو على حد تعبير الكتاب "حتى لم يكن شفاء" كما نرى في نبوة ارميا - أي إلى زمن السبي البابلي ، وحتى إلى ما بعده . على أن السبي البابلي كان حادثة خطيرة بالنسبة للأرض : فلم يعدمن ذلك الوقت لعرش الله مكان على الأرض ، بل ولم يبق لله عرش عليها . بدأت أزمنة الأمم ، أزمنة سلطان حيوانات نبوة دانيال ، وستظل حتى يباد الحيوان الأخير بقوة الرب يسوع في مجيئه . غير أن المسيح كان لابد أن يقدم لهم كالملك . وهذا هو تاريخ الإنجيل على قدر ما كان يتعلق باليهود ( أي رجال يهوذا ) . وإذ رفضوا هذه الشهادة أصبحوا من ذلك الزمان فصاعدا مشتتين بين الأمم ولكن ليسوا ضائعين كإسرائيل (الأسباط العشرة) بل لهم علامة الله عليهم لتحفظهم لأيام البركة التي تنتظرهم حينما يتوبون -أو على الأقل حين تتوب بقية منهم - وينظرون إلى الذي طعنوه . في الكتاب المقدس اصطلاحان متميزان بخصوص سيادة الله على الأرض والسماء : أولهما " أله السماء "( هذه لغة أيام دانيال وعزرا ونحميا ، أي حينما تكون أرض إسرائيل مسبية وعرشه تعالى ليس فيها ، وحينما لا يمكن أن يقال بظهور سيادة الله على الأرض الأمم كمن لهم به علاقة ). والاصطلاح الآخر هو " اله كل الأرض " . والكتاب المقدس لا يخلط أبدا بين هذين اصطلاحين . انتهى تاريخ إسرائيل تحت العهد العتيق ، ذلك العهد الذي كانت البركة فيه قائمة على أساس طاعة الإنسان ، إلا أن الوعد باق - وعد المسيا والعهد الجديد ( قان ار 31 ، عب 8 ) . وبعد نهاية ذلك التاريخ وضع الله في صلاحه في قلب كورش ، الذي كان إلى ذلك الوقت لم يسلم نفسه لوثنية بابل المكشوفة والذي كان يكره الأوثان ، وضع في قلبه أن يعمل على إرجاع ولو بقية قليلة من إسرائيل إلى أرض الموعد ، وأكثر من ذلك أن يساعد في إعادة بناء الهيكل - هيكل الله الحقيقي ،وإقامة العبادة إليه تعالى . وإلى ذلك المكان جاء المسيا في وقته المعين لأغراض أمجد وأعظم ،واضعا الإنسان ، مع ذلك ، تحت آخر امتحان . جاء في الإتضاع لكي يكون قريبا من الإنسان ، مظهرا في نفس الوقت بكلامه وأعماله من هو شخصه ،وأنه فوق الكل . ولكن جاء في صلاح ونعمة نحو الإنسان ، وكان في مقدور الجميع أن يدنوا إليه ، ماحيا كل نتائج الخطية ، مواجها الخطية نفسها إذ ظهرت في صفتها الحقيقية في الإنسان حينما أقدم على رفض الله الظاهر بهذه الكيفية وفي ذلك الصلاح .

إذن فقد أمتحن الإنسان في طهارته الأولى بواسطة العدو فسقط ، أمتحن بدون الناموس فملكت الخطية ، أمتحن تحت الناموس فتعداه ،وبعدئذ ،حينما أصبح الإنسان خاطئا ومتعديا ،جاء الله في الصلاح غير حاسب له خطاياه ، ولكن الإنسان لم يشأ أن يكون له الله . ومن ذلك الوقت انتهى تاريخ الإنسان المسؤول . وإسرائيل أيضا أضاع كل حقوقه في إتمام المواعيد - التي كانت غير شرطية - إذ رفض ذاك الذي كان فيه إتمامها .

بقي لي فقط أن أدلي ببعض أفكار عن النبوءات حتى يسهل فهم إعلانات الله هذه وبعد ذلك نمر على الهاجيوجرافا (10).

لا شك أن اشعياء يمتد أفق نبوته إلى حدود قاصية يمتاز فيها عمن سواه من الأنبياء . وأبرز الصور التي نراها في هذا السفر هي أنه طالما يعترف الله بإسرائيل ، فأشور هو العدو . وهكذا يكون في الأيام الأخيرة . فمع أن الذي قاله الأنبياء شجع إيمان معاصريهم ، إلا أن ما أعلنوه لا يتم بكماله إلا في تلك الأيام الأخيرة . وأنني أرى أن تحليلا مجملا لسفر أشعياء يعطينا مدى النبوة الكامل ، ذلك لأن سائر الأنبياء إنما يعطون لنا تفاصيل لا تحتاج إلا لكلام قليل . فالاربعة الاصحاحات الأولى من نبوة أشعياء هي بمثابة مقدمة ترينا الخراب الأدبي الذي كان فيه يهوذا وأورشليم ، والدينونات التي كان لابد أن تقع على أورشليم ، ورجوعهما ، ومجيء السلام ، وخفض الإنسان وكل مجده ، وإعلان المسيح كمجد البقية . والدينونة التي نراها في الإصحاح الخامس قائمة على أساس ترك الشعب للحالة التي أوجدهم فيها الله عند البداية ( أي كونهم كرمة تعالى ) . أما الدينونة المذكورة في الإصحاح السادس فهي قائمة على عدم كفايتهم للوقوف في حضرة الله الذي كان عتيدا أن يأتي . وهذان هما الأساسان لدينونة الإنسان وإسرائيل والكنيسة الاسمية . على أنه كان لابد من وجود بقية في وسط عمى الشعب (ع13) . وبعد ذلك (ص7) نجد عمانوئيل ، أبن العذراء ، الأساس الراسخ للإيمان . ثم نجد أيضا أشور قضيب الله . ولكن نجد ( لغاية ص9:7 ) نتائج حضور عمانوئيل حجر صدمة للشعب الذي ستر الله عنه وجهه ولكنه مع ذلك مقدس ، وأخيرا هو الذي يرجع الشعب في مجد . وقد جاءت الاصحاحات ( من 7الى 9: 7 )معترضة لكي تقدم المسيح . ثم (ص9: 8 ) يعود فيتناول سلسلة تاريخ الشعب في أدواره المختلفة ، فمن ( ع 18-12) هذه مدة . ومن ( ع13-17 ) مدة ثانية . ومن ( ع18-21 ) مدة ثالثة . و ( ص 10: 1-4) مدة رابعة . هذه الفصول الأربعة تكلمنا عن تأديب الشعب في أدوار أربعة مختلفة . وبعد ذلك يأتي أشور الذي به تنتهي التأديبات ( ص10: 5- 11 ) . ويلاحظ القارئ أن كلا من هذه الفصول الاربعة ينتهي بالقول " مع كل هذا لم يرتد غضبه بل يده ممدوة بعد "ولكن في نهاية الدور الخامس، أي دور أشور ، لا نجد هذا القول بل نجد ابتداء من (ص 10: 12 ) نهاية التأديب وبداية القضاء على أشور عصا ذلك التأديب . والإصحاحان 11، 12 يصور أن البركة الختامية عند النهاية ، وفيهما نرى أن قدوس إسرائيل في وسط الشعب مرة ثانية . وهكذا يكمل محيط المبادئ العظيمة للنبوة . ومن ( ص 13 لغاية 27 ) تعلن دينونة الأمم - دينونة بابل ، حيث كان إسرائيل مسبياً ، ونخصص ذكر بابل لأنها مدينة أزمنة الأمم ومقر سبي إسرائيل . والملاحظ هو أن دينونة أشور مذكورة بعد دينونة بابل ( خلافا للتاريخ ) ومن هذا نرى أن النظرة في هذه الاصحاحات تمتد إلى الأيام الأخيرة وليس إلى الأيام التي كانت فيها الدولتان قديما ، إذ يخبرنا التاريخ أن عظمة بابل وإمبراطوريتها قامت على أنقاض أشور . وبعد بابل تأتي الدول الأخرى . فقط في ( ص18) نرى إسرائيل راجعين إلى أرضهم . ولكن وهم مسلوبون من الأمم في نفس الوقت الذي بدءوا يزهرون فيه . ونرى أورشليم ورأسها يجتازان الدينونة ،وبعد ذلك تترنح الأرض كلها ويأتي الرب الذي كان ينتظره الأمناء . ثم نرى قوات الشر في الأعالي تدان ، وكذلك ملوك الأرض على الأرض يدانـون ( 24: 21 ) بعدئذ يرفع النقاب الذي كان يحجب الأمم عن أن يروا ، ويمحي عار الشعب . وتلي ذلك القيامة الأولى . وتباد قوة الحية من بين الشعوب ، ( وهذا معنى القول " التنين الذي في البحر " لان البحر يشير عادة إلى الشعوب ) . ويعني يهوه بإسرائيل كالكرمة التي فيها يجد مســــرته ( ص25-27 ) . ونجد في الاصحاحات من ( 28 إلى 33 ) سلسلة نبوءات خاصة تصور الهجوم الأممي الأخير ضد إسرائيل ، ذلك الهجوم الذي فيه سيبرز أدوم وأشور . ولكن كل نبوة من هذه النبوات تختم ببركة كاملة لإسرائيل وحضور الملك ( المسيح ) بعد ذلك تأتي أربعة إصحاحات تحتوي على تاريخ سنحاريب - ذلك التاريخ الذي أعطى الفرصة لمجيء النبوة ، ولكننا فيها نرى شفاء حزقيا - رمزا للمسيح المقام - والخلاص من هجوم أشور : رموز لحوادث الأيام الأخيرة ومن (ص40 ) إلى آخر السفر نرى محاجة يهوه مع إسرائيل لان هذا الشعب ترك إلهه وتوجه نحو الأوثان ، كما نرى أيضا مع هذا دينونة بابل معقل الوثنية على الأرض ، وقد أسرها كورش ( الذي دعاه الرب بالاسم ) . وبالاختصار نرى دينونة الوثنية . وبعد ذلك نرى رفض المسيح . والجزء الأول من هذه الاصحاحات يصل إلى نهاية ( ص48 ) وبعد ذلك نرى المسيح هو الموضوع من (ص49 لآخر 57 ) وفي هذا الجزء الأخير نرى الله يصر على طلب البر . وأخيرا بعد بعض توبيخات موجهة لإسرائيل ، نجد مجد إسرائيل في الأيام الأخيرة .

توسعت قليلا في الكلام عن نبوءة أشعياء وذلك لأن كل محيط النبوة ، حينما يكون إسرائيل معترفا به ، متضمن في ذلك السفر ، كما فيه أيضا أفكار الله . أما دانيال فيعطينا من الناحية الأخرى تاريخ " الحيوانات " بينما اليهود في السبي ، وبالتبعية خارج سياسة الله المباشرة في إسرائيل . أما الأنبياء الآخرون فيتجهون ناحية التفاصيل . فارميا تنبأ عن خراب يهوذا فيما يتعلق بالحالة الداخلية ، بينما حزقيال يتكلم عن إسرائيل في حالة الرفض فعلا.

ارميا ينبر على الإثم الذي جلب الخراب ، ولكن في (ص31) يعلن النعمة وعهدا جديدا مع يهوذا وإسرائيل . وفي هذا الإصحاح والإصحاحين اللذين بعده نقرأ عن بركة كاملة على يهوذا وإسرائيل - وبعد البركة دينونة ومحاكمة الشعوب .

وحزقيال يقدم يهوه نفسه له المجد منفذا الدينونة على أورشليم لما يترك في الوقت نفسه عرشه الذي لم يعد له مكان هناك . وإذ وجد إسرائيل ويهوذا في مركز واحد في نظر الله مركز البعد عنه لذلك نرى حزقيال يتكلم عنهما كليهما . ففي الاصحاحات من 34 لغاية 37 نرى إسرائيل وبد الله تسترده وتطهره ، ويهوذا وإسرائيل يتحدان معا ولا ينفصلان فيما بعد ، والمسيح ( داود ) ومسكن الله معهم . والإصحاحان 38،39 يكلماننا عن ملك الشمال ، جوج رئيس روش ماشك وتوبال ، قائما ليخرب الأرض . وفي الدينونة التي سيوقعها عليه الرب سوف يعرف أسم يهوه ، وسيعرف أيضا أن إسرائيل كان مسبياً بسبب آثامه . وأخيرا يعطينا حزقيال مشروع الهيكل الجديد .

ودانيال ، الأسير في بابل ، ولكن الحافظ نفسه طاهرا من كل دنس ، يستأمن على حوادث إمبراطوريات الأمم الأربع . والستة الاصحاحات الأولى تقص علينا تواريخ هذه الإمبراطوريات باعتبارها من العالم . ودانيال فيها ليس سوى شارح ومفسر . بينما الستة الاصحاحات الأخيرة ترينا نفس الإمبراطوريات في علاقاتها مع إسرائيل المسبي . وكما هي العادة دائما نرى خلاص إسرائيل ودينونة مضايقيه في آخر السفر . ويختم السفر بان نرى أن دانيال سيكون له نصيبه في تلك السعادة التي سيتمتع بها إسرائيل في يوم غبطتهم .

وهوشع تنبأ عن نقل العشرة الأسباط ،ومن ثم يعلن أنه بواسطة سبي يهوذا سوف لا يكون شعب الله على الأرض معترف به ، ولكنهم في النهاية سيجعلون لأنفسهم رأسا واحدا وحيــــدا ( المسيح ) وسيكون يوم البركة عظيما . يرينا أيضا هذا النبي أن إسرائيل سيبقى زمانا طويلا بلا اله حقيقي ولا آلهة كاذبة ، بلا ذبائح وبلا أصنام . ولكنهم في الأيام الأخيرة سيعترفون بيهوه وبداود ( الذي يرمز إلى المسيح ) والإصحاح الأخير من هذه النبوة يصور لنا توبتهم .

أما يوئيل فانه ينتهز فرصة جوع حدث للشعب ويتنبأ عن هلاك جيش الشمال وبعد ذلك عن عطية الروح القدس لكل بشر قبل مجيء اليوم المخوف .

وعاموس ، بعد أن هدد بالدينونة التي ستنفذ على ممالك كنعان المختلفة يعلن أن صبر الله سوف لا يطيق أثم إسرائيل ولكنه يرينا أيضا ، كما يفعل كل الأنبياء ، رجوع إسرائيل وبركتهم . ويضيف على ذلك قوله أنهم لن يقلعوا من أرضهم .

ونبوة عوبديا هي ضد آدوم ، وكثيرا ما تتكلم عن حسده لأورشليم وبغضه الحاقد عليها . ثم يعلن عن يوم يهوه الذي فيه سيدين الشعوب وعن خلاص صهيون كما هي العادة .

أما نبوة يونان فلها صفة خاصة : إذا كان الله قد أختار إسرائيل ليكون شعبا منفصلا ليحفظ معرفة اسمه على الأرض ولكنه تعالى اله الأمم أيضا واله الصلاح والرحمة . وحينما تخيم الامتيازات على معرفة ما هو الله في ذاته ، فان امتلاك تلك الامتيازات يصبح روحا حزبية متعصبة وقد بدت هذه الظاهرة جليا في اليهود . وعجيب أن نرى في يونان شهادة الرحمة الإلهية موجهة لعدو شعب الله العظيم اللدود ( أي نينوى ) . كذلك نرى في هذا النبي صورة لمعاملات الله حينما تبدو التوبة . وأكثر من ذلك نرى فيه من بعض الأوجه رمزا معروفا لشخص المخلص المجيد المبارك . هذا وموضوع الإصحاح الرابع هو بالمقابلة مع البركة الخاصة التي ستقع في قرعة اليهود في النهاية ، فالله هو اله الأمم أيضا .

وميخا يشابه أشعياء في نقط كثيرة . غير أنه لا يتوسع في إيضاح أفكار الله ومشروعاته ، كما يفعل أشعياء ، ولكنه يتجه أكثر نحو مخاطبة ضمير الشعب . على أنه يؤكد إتمام المواعيد التي أعطيت لإبراهيم ويعقوب .

وفي ناحوم نرى سخط الله يشتعل ضد كبرياء السلطة والسيادة البشرية ونرى أن نينوى (أشور) تهلك وجنسها لا يعود يظهر بينما يهوذا يخلص نهائيا .

أما سفر حبقوق فهو تعبير الإيمان بالرب بغض النظر عن كل شئ . وفيه نرى شرحا لمعاملات الله في تاريخ الشعب . فيه يشكو النبي من الشر الذي أختاط به إسرائيل ، والله يريه الكلدانيين ، الذين كان سيأتي بهم ليجري بواسطتهم الدينونة على أرض شعبه بسبب إثمهم . حينئذ تتحرك عواطف النبي نحو الشعب فيأخذ يشكون من الكلدانيين ، فيريه الله أنه ينبغي عليه أن يحيا بالإيمان ، فهو تعالى سيعاقب أولئك الأعداء الطغاة الذين استخدم قساوتهم كقضيب لتأديب إسرائيل . ولكن على رجل الإيمان أن ينتظر فسيأتي يوم الرب وستغطى معرفة مجد الرب الأرض كما تغطى المياه البحر . وأخيرا نرى النبي يستعيد خلاص إسرائيل الأول ( سفر الخروج ) ويفرح في الرب ولو أن العين المجردة لا ترى أية بركة ظاهرة .

وصفنيا يعلن دينونة على الأرض ، لا يفلت منها أي أثم - يوم الرب ، يوم سخط وضيق وشدة، حينما يباغت الأرض سخط الرب . ولكن البائسين عليهم أن يطلبوا الرب لكي يســـتتروا ( ص2 ) . وفي هذا السفر نرى أولا إسرائيل يدان وبعد ذلك الأمم يدانون في أشور رأسهم ( لأن إسرائيل هنا معترف به - انظر هذه النقطة في ملاحظاتنا على أشعياء ) وبعدئذ يأتي الكلام عن أورشليم التي مع أن الله قال عنها أنها ستخشاه وتقبل تأديبه ، ولكنها أصبحت فاسدة ونجسة تسير من رديء إلى أردأ . والنبي يستغل هذه الفرصة ليدعو فيها البقية لأن تنتظر الرب ، الذي هومزمع أن يجمع كل الأمم ليدينهم في سخطه . وبعد ذلك يتغير كل شئ : جميع الأمم سوف تدعو الرب من قلب نقي ، وإسرائيل سيعاد إليه تعالى بندامة قلبية . ولا يكون فيهم أثم فيما بعد ويكونون شعبا ، له أسم وصيت ومجد وسط جميع أمم الأرض . ويالها من خاتمه موافقة لكل معاملات الله التي نطق بها الأنبياء .

والأنبياء الباقون تنبئوا بعد الرجوع من بابل ولذلك فإن نبواتهم لها صفة أخرى غير صفة النبوات السابقة التي نطق بها قبل السبي .

ونأتي أولا إلى حجي . ونبوته غاية في الأهمية ولو أنها بسيطة ومختصرة . فقد أراد أن يجعل الشعب يفكر في الرب وليس في صوالحه العالمية ، أرادهم أن يعملوا من جديد على إعادة بناء البيت الذي كان الأعداء قد أوقفوا العمل فيه ، وأن يتمموه واثقين في الرب وغير منتظرين إذن وتصريح ملك فارس - وفعلا عمل اليهود هكذا . والواقع أنهم لما تصرفوا بالإيمان ساعدتهم العناية بتفويض الملك . ولكن الإيمان يرى أن الله هو الذي تعهد بكل شئ لهم ، وأن في يده قلوب الملوك . والذي نراه في كلام حجي وزكريا هو ترتيب وخطة الإيمان العامل بمقتضى كلمة الله . وفي الوقت نفسه أعطى هذا الظرف الفرصة للنبي لأن يعلن أن الله مزمع أن يزلزل السموات والأرض حتى يقلب كل سلطان بشري كما وكل قوة روحانية في الهواء . وحينئذ يتم القول الذي هتف به الأطفال بالوحي حينما دخل ربنا يسوع أورشليم " سلام في السماء " . وتثبت سلطة المسيح ، رئيس إسرائيل، كسلطة يهوه .

أما زكريا فانه يتناول إعادة تأسيس أورشليم في ذلك الزمان . على أنه يعطينا تاريخ المدينة حتى مجيء المسيح الأول لا بل حتى المجيء الثاني . فيتكلم عن هلاك الأمم الذين بددوا أورشليم ولكنه يتكلم عن هذا عرضا . ويرينا أورشليم مبررة ، ثم مباركة بواسطة خدمة النعمة ( التي تشير إليها المنارة الذهبية في ص4 ) بمقتضى ترتيب كامل الهي . أما الأشرار فيجدون مكانهم مع بابل . ثم يلي ذلك الكلام عن المسيح . وابتداء من الإصحاح السابع نجد نبوءة أخرى تمتد حتى تكلمنا أيضا في (ص11) عن رفض المسيح في مجيئه الأول ، وتكلمنا أيضا عن تسليم إسرائيل إلى أيدي راعي شرير . ثم نرى أورشليم مكانا للقضاء على الأمم ، ونرى أن روح التوبة سيسكب على الشعب بسبب موت رجل رفقة يهوه . وأن أورشليم ستؤخذ ولكن الرب سيأتي ليدين أعداءها ، وكل شئ فيها يتقدس .

أما ملاخي فيرينا الاضمحلال الأدبي للشعب بعد رجوعهم من بابل . ولكن ستوجد هناك بقية ، ملاخي يتنبأ عن إرسالية يوحنا المعمدان ،وعن يوم الرب أنه آت وعن مجيء إيليا ، وعن رجوع الشعب إلى الشريعة . ولاحظ جيدا أيها القارئ أن المسيحية لا تظهر هنا ، بل يظهر فقط المسيح ورفضه ، والراعي يضرب ( زك 13 ) وتتبدد الخراف ، وبعد ذلك الدينونة . ومن السهل أن نلاحظ في هذه النبوات الثلاث التي أوحى بها بعد الرجوع من بابل ، حين يكون أحد " الحيوانات " قد سقط ، ولو أنه يشار بالضرورة إلى الأمم ( لأن هذا وقتهم إذ يكونون مالكين العالم ) - نقول أنه من السهل أن نلاحظ أن محور النبوة في هذه النبوات يضيق بشكل بارز ، ونجد تفصيلات مباشرة أكثر فيما يختص ويتعلق بالمسيح . وهناك أيضا نجد الشخصيات العظيمة بين الأمم ، حيث يجدون أنفسهم مقضيا عليهم . هم هناك ( والدينونات الأخيرة تنتظرهم ) ليفسحوا طريقا لبابل وللوحشين اللذين نجد تاريخهما في نبوءة دانيال - كل ذلك نجده مرتبطا مع سبي اليهود في تلك المدينة ، لأن ذلك السبي هو محور الموضوع . فإلى ذلك الحين كان هناك أشور ، غير أن عرش الله كان في وسط الشعب في أورشليم . ولو أن السبي تحت سلطان وحكم الأمم لا يزال موجودا ومعترفا به ، إلا أن أفق النبوة يضيق كما قلت والمشهد يمتلئ بالمسيح ذاته له المجد وبالتفاصيل المتعلقة بأورشليم الراجعة . وبعد ذلك يأتي يوم الرب العظيم .

بقي لي أن أقول بضع كلمات بخصوص الهاجيوجرافا . واليهود يعتبرون دانيال من اجزاء الهاجيوجرافا . وقد سبق لنا أن تكلمنا عن هذا السفر باعتباره سفرا نبويا ، ولو أن له صفة خاصة ممتازة ذلك لأننا فيه نرى عرش الله قد اختفى إطلاقا من الأرض . والنبي يجد نفسه في بابل ومع ذلك فهذا السفر يشترك في الخواص المميزة لسائر أسفار الهاجيوجرافا التي هي عبارة عن سير أدبية ، وتفاصيل تاريخية في زمان رفض إسرائيل - أو بالحري هي التعبير عن عواطف المسيح نحو إسرائيل ، فيها نجد علاقات الله مع الإنسان ، والاهتمام الذي به يعنى بشعبه ، حينما لم تكن له

علاقة بهم كشعب ولا يعترف بهم بهذه الصفة .

وسفر المزامير يبين لنا هذه الحالة بصورة أكمل من أي سفر آخر .وهنالك مبدءان هما أساس السفر كله وهما الوارجان في المزمور الأول والثاني ، فالأول يرينا أنه في وسط الأشرار توجد بقية تخاف الله ، والثاني يرينا الرب ومسيحه تواجههما معاكسة واعتراض من الشعب ومن الأمم ، وبعدئذ نرى مشورات الله في المسيح ، أبن الله ، الملك في صهيون ، وأخيرا الحاكم والمتسلط على كل الأرض . وإذا كان لابد من رفضه فعلى شعبه أن يتألموا وأن يحملوا صليبهم ( مز3 لغاية 7 ) وفي ( مز8 ) نرى أن الإنسان مقاما على كل أعمال يدي الله . ومن ( مز9 ) يبدأ تاريخ ما يجري في وسط إسرائيل . وهنا نذكر أنه توجد بعض مبادئ تكون نافعة لتسهيل قراءة السفر . معلوم جيدا أن سفر المزامير مقسم إلى خمسة أجزاء ( خمسة كتب ) كالآتي : الجزء الأول من مز1 لغاية 41، والثاني من 42 لغاية 72 ، والثالث من 73 لغاية 89 ، والرابع من 90 لغاية 106 ، والخامس من 107 لغاية 150 . وتركيب الكتاب على وجه عام أساسا للفكرة التي تجري في ثناياه ، ثم يأخذ في التعبير عن اختبارات البقية في الظروف المذكورة كالأساس . فالمزمور التاسع والعاشر يضعان الأساس ، بينما المزامير التي بعدهما حتى نهاية مز 18 ، تعبر عن المشاعر المرتبطة بموضوع هذين المزمورين . غي أن الثلاثة الأخيرة منها ترينا بصفة مباشرة شخص المسيح . ومز18 عجيب في كونه يربط كل تاريخ إسرائيل ( من مصر حتى النهاية ) بآلام المسيح وفي مز 19، 20، 21 يقدم لنا المسيح في المجد . أما مز 22 فإنه يقدم شخصه الكريم ليس بالارتباط مع اليهود بل كمن جعل خطية أمام الله . ثم نلاحظ أنه قبل مز25 لا نرى اعترافا بالخطايا لأن الكلام في هذا الكتاب الأول هو عن المسيح شخصيا ، وكذلك البقية هي في أورشليم وأن كانت محوطة بقوة الأشرار . أما الكتاب الثاني فنرى فيه البقية خارج أورشليم . مز 45 يطالعنا بالمسيا ، ومن ذلك الوقت فصاعدا يرد أسم يهوه . وحينما نقرأ ‘ن أسم الرب فالإيمان يدرك أن موضوع الكلام هو بالنسبة أو العلاقة مع القدير ( قارن مز 14، 53 ) . وأحب أن أشير هنا إلى أن العدد الأول أو الأعداد الأولى من كل مزمور تقدم موضوع أو غرض المزمور ، والأعداد التالية تصف الطريقة التي بها يمكن الوصول إلى هذا الغرض . ففي الكتاب الثاني في المزامير نرى صفات المسيح موصوفة تماما . وبعدئذ أشواق ورغائب داود في تثبيت أبنه في ملكه الألفي ، والكتاب الثالث ، بينما يذكر أسم يهوذا وصهيون ، يضم كل إسرائيل - وهكذا يرجع ويتأمل في تاريخ الشعب كله متتبعا إياه إلى المواعيد الصادقة التي أعطاها الله لإبراهيم ولنسله . والكتاب الرابع بعد ذكره موسى، وكيف أن الرب كان إله إسرائيل في كل الأزمنة ، وبعد الكلام عن المسيا وعن السبت ، يكلمنا عن ملك يهوه ويصف تدرجه من فوق إلى أن يجلس بين الكاروبين ، والشعوب تدعي لتسجد قدامه . في ذلك الكتاب نرى مبادئ ملك المسيح ورفضه ، ولاهوته ، ومقدار أيامه كالإنسان المقام . وبركة الشعب والعالم بحضوره . وفي شخص المسيح وعند حضوره يذكر الله وعده لإبراهيم . صحيح أن إسرائيل كان غير أمين ولكن الله في نعمته يذكره ، وهكذا يستمر الكتاب الخامس إلى النهاية . فيرينا مبادئ وطرق يهوه في معاملاته ، ورجوع الشعب إلى أرضهم ( مزامير المصاعد ) وفي نفس الوقت نرى المسيح جالسا عن يمين الله ربا كابن داود . في هذا الكتاب نرى " إلى الأبد رحمته " . والشريعة مكتوبة في قلب إسرائيل الذي كان ضالا . ثم بعد مزامير المصاعد ودينونة بابل ترد مزامير " الهللويا " العظيمة - وهي سلسلة مزامير حمد . والمزموران الوحيدان اللذان يصفان ولو نبويا الملكوت نفسه هما 72 ، 145 . والكتاب يفتتح بمسيح مرفوض ثم بعد أن يقدم لنا رجوعه لإقامة الملكوت ، يتكلم عن طرق الشعب ورجوعهم إلى أرضهم . ولاحظ أيضا أنك لا تقرأ قط عن أسم الآب في سفر المزامير ولا عن المشاعر التي تخص النبوة . ولكن فيها كلام عن الثقة والطاعة والإيمان في وسط الصعاب ، والتكريس ( كما في مز 63 ) والإيمان بالمواعيد والأمانة - هذه الأمور جميعها نجدها في سفر المزامير ولكننا لا نجد مطلقا كلاما عن علاقة أبن بأبيه . وإن إغفال هذه النقطة قد أدى إلى تخفيض مستوى أساس التقوى وصفتها عند كثير من النفوس المخلصة لدى مجرد قراءة هذا السفر النفيس .

والجامعة - يبحث في ما إذا كان من الميسور إيجاد السعادة تحت الشمس . إلا أنه يصل إلى معرفة إن كل مجهود الإنسان باطل وقبض الريح . على أن هناك ناموسا ، هو القياس الكامل لأخلاق الإنسان ، وإن كل عمل سوف يوزن وقت دينونة الله . ولسنا نرى في هذا السفر علاقة إيجابية مع الله ، لأننا نجد الله فيه كالخالق والإنسان في العالم كما هو في حالته . فلا ذكر في هذا السفر " للرب " ومن باب أولى لا ذكر " للآب " .

أما الأمثال فعلى العكس من ذلك . فهو يقدم لنا حكمة تلك السلطة التي تضبط إرادة الإنسان وفساده وطغيانه وإشباع الذات التي هو خطر الإنسان . ثم نجد مشورات الله ، وهذه المشورات تقوم في أن حكمة الله ( المسيح ) ، غرض مسرة الله ، يجد لذته في بني آدم وذلك قبل كون العالم (ص8) . وكل السفر يحدثنا إما عن الرب أو عن الله الذي عرفنا بذاته له المجد والذي يعمل بواسطة سلطة يمنحها للإنسان ، وللآباء ولكل ذي مسؤولية . ثم في هذا السفر يقدم لنا الله ما يعلم الإنسان أن يتجنب الإشراك الموجودة في هذا العالم التاعس دون اضطرار منه لأن يتعلم كل الإثم الذي فيه .

وفي عزرا ونحميا يجد جنسية إسرائيل راجعة إلى مركزها رجوعا مزدوجا : دينيا وسياسيا . وعزرا يأتي بعد يهوشع وزربابل . وفي هذا الأخير نرى أشخاصا يعملون بالإيمان ، إذ في وسط أعدائهم يبنون مذبحا ليكون سدا لهم ضد هؤلاء الأعداء . وبذلك كان اعتمادهم على اللــــه (عز 3: 2) . والنبيان حجي وزكريا كان يشجعان اليهود من قبل الله ، والله أجاب إيمانهم . وبعدئذ جاء عزرا ، الرجل الأمين الذي كرس نفسه لله ووثق به تعالى ، تهذب في الشريعة ولذلك قدر أن ينظم سلوك الشعب ، ولكن يظهر أنه تحت تأثير تربة القلب البشري الطبيعية انقلب ذلك الترتيب إلي نظام الفريسية . فالأمانة التي كانت مطلوبة منهم في ذلك الوقت كانت تستدعي حفظهم أنفسهم في الانفصال كشعب الله ، وأن يعرفوا أنسابهم اليهودية ، وعلى الأخص في حالة الكهنة ، وأن يطردوا النساء الغريبان . أما نحميا فقد كانت مهمته أن يعيد بناء الأسوار والمدينة . وكان هو الآخر رجلا أمينا مكرسا ، غير أنه كان يحب أن يتكلم عن أمانته . والكلمة تخبرنا عن هذين الأمرين كما هما . وسفر استير يخبرنا عن الكيفية التي بها كان الله في نعمته ، وهو مستتر ، يهتم بإسرائيل ويحفظهم ، وقد لوحظ كثيرا إن أسم الله ليس مذكورا في هذا السفر ، وهذا هو عين ما كان يجب لأن موضوع السفر هو عناية الله التي تعمل حين لا يكون هو تعالى ظاهرا .

وأيوب ، يقدم لنا مثال العلاقة القائمة بين التقي خارج إسرائيل ( وقبل إسرائيل طبعا ) ومعاملات الله تعالى مع الناس للخير في عالم الشر هذا . ولكنه بعد ذلك يستمر ليرينا رمزا لإسرائيل في النتيجة . فيه نرى خراب البر الذاتي ، والتأديب ، كما نرى الولي والفداء والقيامة .

أما سفر نشيد الانشاد فهو على ما أعتقد إيضاح وإفصاح عن تجديد علاقة أبن داود بالبقية الأمينة من إسرائيل في الأيام الأخيرة ، حين تكون البقية له " حفصيبة " التي معناها " مسرتي بها " ( اش 62: 4 ) . ونلاحظ أن الرب دائما يتكلم مع شولميث حين يتكلم عنها . أما هي فتتكلم عنه كغرض عواطفها ولكنها لا تتكلم معه . على أن عواطف الكنيسة أهدأ مما نراه في سفر نشيد الأنشاد، لأن الكنيسة سبق أن تمتعت بمحبة المسيح كشيء معروف ، لكونها في علاقة ثابتة ومتينة ، ولو أن نتائج تلك العلاقة لم تكمل بعد . على أن المؤمن يقدر أن يدخل أكثر وأكثر في أعماق تلك العلاقة .

وهنالك جزآن صغيران من أجزاء الهاجيوجرافا منفصلان عنها في كتبنا المقدسة ، وهما مراثي ارميا وراعوث . وأن القصة اللذيذة المؤثرة التي يضمها سفر راعوث بين دفتيه ، والتي تكشف أقدم العادات الفطرية ، وفي نفس الوقت ترينا أدق وأجمل الحوادث الخلقية ،وعليها طابع الحقيقة بكل إتقان - نقول أن هذه القصة مهمة باعتبارها متابعة لسلسلة نسب داود وبالتبعية لسلسلة نسب المسيح ، التي دخلت فيها امرأة أممية هي بطلة القصة . أما سفر مراثي وارميا فينطبع بطابع الحزن الناشئ عن الإحساس بأن الله قد ضرب شعبه وهدم مذبحه وأخرب بيته . وكأنه على أساس العهد العتيق قد انتهى أمر أورشليم وشعب الله ، ولكن ارميا ينظر من الداخل كما بعين الله وليس هنالك شفاء لحالة الشعب . وهنا ينبغي أن نتذكر جيدا أن سفري عزرا ونحميا يقصان علينا رجوع بقية يهودية برحمة الله لكي يبقى شعب تستطيع النعمة أن تقدم له المسيا الموعود به .

وصنعت مسؤولية الإنسان كإنسان ومسؤول عن تصرفاته ، تحت الامتحان بدون الناموس وتحت الناموس . ولكن صلاح الله منذ وقت السقوط وقبل أن يطرد الإنسان من جنة عدن ، تكلم عن مخلص يسحق رأس الحية . وإذا غضضنا الطرف عن أولئك الذين دخلوا الفلك والذين كانوا لازمين للعالم الجديد ، فإن الطوفان يكون قد قضى نهائيا على الجنس البشري الساقط الذي انغمس في الفساد والطغيان . ولكن حتى في هذا العالم الجديد سقط الكل في عبادة الأوثان . ومن ثم دعت النعمة إبراهيم وله أعطيت الوعود الرسمية بخصوص النسل . وبعد أربعمائة وثلاثين سنة ( من الوعد ) وضع الجنس المنفصل لله تحت الناموس - وهو قانون كامل لما ينبغي أن يكون عليه الإنسان إذا كان الموضوع تحريم الشهوة . ثم جاء الأنبياء يذكرون الشعب بالناموس ولكنهم في نفس الوقت كانوا يعضدون ويسندون إيمان الذين ظلوا أمناء في وسط الخيانة العامة مرددين لهم ومثبتين الوعد الخاص بالنسل والوعد المتعلق بمجيء يوم الرب العظيم المخوف . أنظر مثلا الكلمات الأخيرة في نبؤة ملاخي ( ص4 ) . وهكذا كان الوعد بالنسل يتكرر ترداده على فم الأنبياء ، وكذلك كانت تتكرر مخاطبة الضمير ، حتى لم يبق أمل في الشفاء . ولكن الله تمم الوعد وأرسل المسيح نسل داود . وقد كانت هذه نعمة من الله - برا بوعده من جانبه بلا شك - وبهذا المعنى كان برا فـي الله ( وهذه هي القول " بر إلهنا " الوارد في 2بط 1: 1 ) نعم هي نعمة إذ لم تكن مسألة التزام الإنسان ومسئوليته في حفظ الناموس فرض عليه ، بل مسألة قبول المسيح . وكان هناك أكثر من ذلك : فقد كان المسيح هو الكلمة الذي صار جسدا . الله نفسه كان في المسيح ، مصالحا العالم لنفسه غير حاسب لهم خطاياهم ولكنه جاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله . والعالم لم يشأ أن يكون له المسيح لأنه لم يعرفه . ومع أن الأب أعلن في الابن ، في كلامه وفي أعماله ، إلا أن العالم لم يعرفه وشعب إسرائيل لم يقبله ، وفي هذا يقول المخلص له المجد " رأوا وأبغضوني أنا وأبي " ولذلك أضاع اليهود كل حقهم في المواعيد إذ رفضوا الشخص الذي فيه كانت تتم تلك المواعيد . ولكن ما هو أكثر من ذلك ، ليس أن الإنسان كان متمردا ، لأنه سبق أن كان كذلك من الأول ، بل أنه وهو متمرد أظهر عداءه ضد الله المعلن في النعمة ولذلك فمن جانب مسؤولية الإنسان كانت العلاقة مع الله مستحيلة . قد كان الصليب هو الإعلان المكشوف لهذا الرفض وذلك العداء ضد الله ، ولكنه في الوقت نفسه كان هو إعلان محبة الله للإنسان كما هو . وأكثر من ذلك فقد كان في الصليب إتمام عمل كفاري كامل ، ذبيحة لنزع الخطية ، أساسا جديد للعلاقة بين الإنسان وبين الله ، قائمة ليس على مسؤولية الإنسان - لأنه على أساس هذه المسؤولية هلك بل على أساس نعمة الله المطلقة التي لم تشفق على أبنه الوحيد ، ذاك الذي بروح أزلي قدم نفسه لله بلا عيب لكي تملك النعمة بالبر للحياة الأبدية بيسوع المسيح ربنا . فالمواعيد ستتم ، ومع أن المؤمن له من الآن حياة أبدية إلا أنه سيمتلكها تماما ونهائيا في المجد صائرا على مثال أبن الله الذي عاد فدخل المجد كإنسان ، وذلك لكي يشبع قلب الله في المحبة ويعلن بره ويكرم ، ولكي يتمجد أبن الله الذي ترك المجد لأجلنا ووضع نفسه وأطاع حتى الموت ، بالمجد الذي هو جدير به . وهذا يوصلنا إلى دائرة الإنجيل ، وها نحن قادمون على الدخول في رحابة لنطأ أرضه الجديدة حيث نتنسم نسمات الأسس الجديدة والمحبة الخالدة والمقاصد الأزلية .

العهد الجديد

للعهد الجديد كما نلاحظ بداهة صفة خاصة تختلف كل الاختلاف عما للعهد القديم . ذلك لأنه وأن كان العهد القديم يعطينا إعلان أفكار الله التي أبلغها لأولئك الذين كانوا أداة في توصيل ذلك الإعلان ولئن قادنا ذلك الجزء من أقوال الله إلى التعبد للحكمة الظاهرة فيه ، إلا أن الله نفسه في العهد القديم ظل دائما وراء حجاب . أما في العهد الجديد فالله يظهر ذاته . فيه نجد الله نفسه له المجد حليما وديعا في صورة البشرية . في الأناجيل نرى الله على الأرض ، وبعد ذلك نراه في الرسائل ينيرنا بنور إلهي في إعلانات الروح القدس . قديما أعطى الله المواعيد ، كما نفذ الدينونات والوعيد . ساس شعبه على الأرض ، وتصرف مع الشعوب الأخرى بالنسبة لعلاقاتهم مع ذلك الشعب . أعطى لهم ناموسه ، وحباهم بوساطة الأنبياء نورا متلمعا متزايدا معلنا شيئا فشيئا اقتراب مجيء ذاك الذي يخبرهم بكل أمور الله . ولكن حضور الله نفسه كإنسان في وسط الناس أحدث تغييرا في كل شئ ، حي كان لزاما على الإنسان أن يقبله تعالى في شخص المسيح كخاتم البركة والمجد الذي كان حضوره لمحو كل شر وإظهار وتكميل كل عناصر الخير والصلاح ، مقدما في نفس الوقت غرضا ونقطة مركزية لكل العواطف التي تصبح في تمام السعادة بواسطة التمتع بهذا الغرض . وإلا ففي رفض هذا المسيح تظهر طبيعتنا التاعسة ذاتها كما هي عداوة لله ، ويقوم البرهان والدليل على ضرورة وجود نظام جديد على الإطلاق توضع فيه سعادة الإنسان ومجد الله عل أساس خليقة جديدة غير أساس مسؤولية الإنسان . ولكننا نعلم ما حدث : فإن ذاك الذي كان صورة الله غير المنظور ، أضطر أن يقول بعد ممارسة الصبر الكامل " أيها الآب البار أن العالم لم يعرفك " وأكثر من هذا ويا للأسف " هم رأوا وأبغضوني أنا وأبي " ( يو17 : 25، 15: 24 )

على أن حالة الإنسان هذه لم تكن لتمنع الله من إتمام مشوراته ، بل على العكس فإن هذه الحال التاعسة أعطته تعالى فرصة لتمجيد ذاته في إتمام تلك المشورات . وما كان الله ليرفض الإنسان إلا بعد أن رفضه الإنسان كما نرى في جنة عدن حين لم يقو الإنسان وهو شاعر بخطيته على احتمال حضور الله فسحب نفسه من حضرته تعالى قبل أن يطرده الله من الجنة . أما الآن ، وقد كان من الإنسان أن رفض الله تماما بعد إذ جاء في صلاحه إلى وسط تعاسته وشقائه - فقد أصبح في حـل ( إذا جاز الكلام بهذه الجرأة مع العلم بصحة التعبير أدبيا ) لأن ينفذ مقاصده الأزلية . ولكن الله لم ينفذ الدينونة ، كما في عدن حين أصبح الإنسان متجنبا عنه تعالى ، بل هي النعمة المطلقة التي تنفذ عملها بعد إذ صار الإنسان هالكا واظهر نفسه عدوا لله - وتنفذ ذلك العمل لإظهار مجده أمام الخليقة كلها في خلاص الخطاة التاعسين المساكين الذين رفضوه . لكن لكي تظهر حكمة الله الكاملة حتى في التفاصيل وجب أن يكون عمل النعمة الطلقة الذي به قد أعلن الله ذاته ، مرتبطا كل الارتباط بمعاملاته السابقة المعلنة في العهد القديم ومعطيا المكان اللازم لسياسته إزاء العالم .

وينتج من هذا كله أن في العهد الجديد - ما خلا الفكرة الرئيسية التي تتخلله طولا وعرضا بشكل بارز - توجد أربعة موضوعات تظهر ذاتها لعيني الإيمان . فالموضوع الأعظم والحقيقة التي فوق كل الحقائق هي أن النور الكامل قد أظهر الله يعلن ذاته .ولكنهذا النور معلن في المحبة التي هي أسم الله الجوهري الآخر .

وأول موضوعات العهد الجديد هو أن المسيح ، إعلان ومظهر هذا النور والمحبة الذي لو كان إسرائيل قبله لكانوا وجدوا فيه إتمام جميع المواعيد - هذا المسيح المبارك مقدم للإنسان وبالأخص لإسرائيل منظورا إليهم في مسؤوليتهم - مقدم لهم بكل برهان شخصي وأدبي ومعجزي - ببراهين جعلت ذلك الشعب بلا عذر

وثاني موضوعاته : أنه بعد رفض المسيح ، ذلك الرفض الذي عن طريقه وبسببه أكمل الخلاص ، وصنع أمامنا النظام الجديد ( أي الخليقة الجديدة ، والإنسان ممجدا ، والكنيسة المشاركة للمسيح في المجد السماوي ) .

وثالثها إظهار العلاقة بين النظام القديم والنظام الجديد على الأرض بالنسبة للناموس والمواعيد والنبوات أو الطقوس الإلهية على الأرض . وهذا الإظهار تم إما في استعراض النظام الجديد كإتمام ما قد شاخ والحلول محله ، أو في إبراز المباينة بين النظامين أو في إعلان حكمة الله الكاملة في جميع تفصيلات معاملاته .

رابعا - لنا في العهد الجديد إعلان نبوي عن سياسة الله إزاء العالم وعن تجديد علاقاته تعالى مع إسرائيل سواء بالدينونة أو بالبركة . وقد تم هذا الإعلان النبوي بسبب الصدع الذي أصاب تلك العلائق بواسطة رفض المسيا .

ويمكن أن نضيف على ذلك أن العهد الجديد قدم بوفرة كل ما هو ضروري للإنسان كسائح على الأرض إلى أن يكمل الله بالقوة أغراض نعمته . وإذ أرسل دعوة للخروج من المكان المرفوض أو المحكوم عليه فإن الذي يطيع هذه الدعوة ( ولم يمتلك بعد النصيب المعد له من الله ) يحتاج إلى ما يقوده ويهديه ويعلن له موارد القوة التي تعوزه في السير نحو جعالة دعوته ، والوسائل التي بها يمتلك تلك القوة . فالله الذي دعاه لأن يتبع سيدا قد رفضه العالم ، لم ينس أن يمده بكل النور وكل الإرشادات اللازمة لقيادته وإرشاده وتشجيعه في طريقه الوعر المحفوف بالأعداء من كل جانب .

والأناجيل تحدثنا عن تاريخ حياة الرب ، وتقدمه له المجد لقلوبنا أما في أعماله أو في كلامه ، تقدمه في صور منوعة تجعله من كل جانب كريما وثمينا في أعين نفوس مفدييه حسب قياس الإدراك الموهوب لهم وحسب حاجتهم . وهذه الصور معا تكون ملء مجده الذاتي ، على قدر ما نستطيع أن ندركه هنا على الأرض ونحن في أوانينا الخزفية هذه ، ما عدا علاقة المسيح بالكنيسة . لأنه فيما خلا الإشارة بأن المسيح سيبني كنيسته على الأرض ، فإنه بالروح القدس وحده - الذي نزل بعد صعود المسيح - أعلن لرسله وأنبيائه هذا السر الكريم الثمين .

كان على الرب ، كما هو ظاهر ، أن يجمع في شخصه الكريم على الأرض ، بحسب مشورات الله وبحسب إعلانات كلمته أكثر من صفة واحدة لإتمام مجده ولصون إعلان مجد أبيه . لذلك وجب أن يكون هو نفسه ذا صفة معينة سواء نظرنا إليه كسائر على الأرض أو بالنظر لطبيعة الحقيقة . كان على المسيح أن يكمل الخدمة التي لاق به أن يقدمها لله باعتبار كونه الخادم الحقيقي . وذلك بخدمته لله بالكلمة في وسط شعبه على حسب ما جاء في ( مز 40: 8- 10 ) مثلا ( واش 49: 4،5 ) وفصول أخرى .

وقد أعلنت شهادات عديدة أن أبن داود لابد أن يجلس ( من جانب الله ) على عرش أبيه . وإن إتمام مشورات الله لإسرائيل مرتبط في العهد القديم بذاك الذي سيأتي ليجلس على هذا العرش ، والذي سيكون على الأرض في نسبة أبن الله مع الرب الإله . وكان على المسيح ، أو المسيا أو الممسوح كما يدل أسمه عليه ، أن يأتي ويقدم نفسه لإسرائيل بحسب إعلان ومشورات الله . وهذا النسل الموعود به كان لابد أن يكون عمانوئيل - الله مع الشعب . على أن انتظار وتوقع اليهود قلما يعدو هذه الصفة في المسيح ألا وهي المسيا ، أبن داود . وحتى هذا قد توقعوه بطريقتهم الخاصة ، أي مجرد تعظيم ورفعة أمتهم غير شاعرين بخطاياهم ولا بنتائج تلك الخطايا .

على أن هذه الناحية في المسيح ليست هي كل ما أعلنته الكلمة النبوية المعلنة لمشورات الله عن ذاك الذي حتى العالم كان يتوقعه . بل قد قالت أنه لابد أن يكون أبن الإنسان - ذلك اللقب الذي سر الرب يسوع أن يطلقه على شخصه العزيز والذي له أهميته الكبرى لنا - وأبن الإنسان ، كما يظهر لي بحسب الكلمة ، معناه الوارث لكل ما أعدته مشورات الله للإنسان كنصيبه في المجد ، ولكل ما يهبه الله للإنسان بحسب تلك المشورات ( أنظر دا 7: 13 و14 ومز 8 : 5و6 ، 80: 17 وام 8 ) ولكن لكي يكون المسيح الوارث لكل ما أعده الله للإنسان وجب أن يكون هو نفسه إنسانا . وقد كان أبن الإنسان حقا من جنس الإنسان ( ويالها من حقيقة ثمينة ومعزية ) مولودا من امرأة ، إنسانا حقيقيا وبالفعل - مشتركا في اللحم والدم ، مشبها أخوته في كل شئ ما خلا الخطية وبهذه الصفة كان عليه أن يتألم ويرفض لكي يرث كل شئ في حالة جديدة من كل وجه - مقاما وممجدا . كان عليه أن يموت ويقوم ثانية لأن الميراث كان قد تدنس والإنسان أصبح في عناد وتمرد ضد الله ، وشركاء الميراث مع المسيح مذنبين كغيرهم تماما .

كان على يسوع إذا أن يكون الخادم ، والنبي العظيم ولو أنه أبن داود وأبن الإنسان وبذلك كان إنسانا حقيقيا على الأرض ، مولودا من تحت الناموس ، مولودا من امرأة ، من نسل داود ، الوارث لحقوق بيت داود والوارث لمصائر الإنسان بحسب قصد ومشورات الله . ولكن في طريق إتمام ذلك كان عليه أن يمجد الله بمقتضى المركز الذي كان فيه الإنسان كساقط في مسؤوليته ، وأن يقوم بمهام تلك المسؤولية لكي يمجد الله فيها . ولكنه وهو هنا يؤدي شهادة نبي - الشاهد الأمين . ومن ذا الذي يجمع هذه الصفات كلها في شخص واحد ؟ أكان هو مجرد مجد رسمي ذاك الذي قال العهد القديم إن إنسانا سيرثه ؟ أن حالة الناس ، وقد بانت تحت الناموس ، وبدون الناموس ، قد دلت على استحالة جعلهم ، كما هم ، شركاء بركة الله . وقد كان رفض الناس للمسيح هو آخر وأعظم برهان على هذه الاستحالة . وفي الواقع احتاج الإنسان قبل كل شئ أن يتصالح مع الله بغض النظر عن كل التدبيرات وعن السياسة المتعلقة بحكم شعب أرضي . لقد أخطأ الإنسان وصار الفداء ضروريا لمجد الله وخلاص الناس . ومن ذا الذي كان يستطيع أن يتمم عملية الفداء ؟ ليس مجرد إنسان ، لأن الإنسان نفسه محتاج إليه ، ولا ملاكا لأن الملاك كان مكلفا بأن يحفظ ويملأ مركزه ولم يكن في استطاعته أن يعمل أكثر من هذا ، وإلا فلا يكون ملاكا . وأكثر من ذلك : من بين الناس يمكن أن يكون الوارث لكل شئ ، وأن توضع كل أعمال الله تحت سلطانه بحسب ما تقول الكلمة ؟ أبن الله هو الذي كان يجب أن يرثها . هو خالقها الذي كان يجب أن يملكها . إذا فذاك الذي كان يجب أن يكون الخادم وأبن داود وأبن الإنسان والفادي هو أبن الله - هو الله الخالق .

إلى هذه الأوجه المنوعة لشخص المسيح يعزي ليس فقد الصفة الخاصة لكل واحد من الأناجيل بل أيضا الفرق الكائن بين الثلاثة الأناجيل الأولى وإنجيل يوحنا . فالثلاثة الأولى تقدم المسيح للإنسان ليقبله الإنسان ، ومن ثم ترينا رفض الإنسان له . بينما يوحنا يتخذ هذا الرفض نقطة الابتداء لإنجيله الذي فيه نرى إعلان الطبيعة الإلهية أمام الإنسان واليهود الذين رفضوها " كان في العالم وكون العالم به ولم يعرفه العالم "

ولكن لنرجع قليلا . فإنجيل متى نرى فيه إتمام الوعد والنبوة . فيه نرى عمانوئيل في وسط اليهود ، مرفوضا منهم - هم الذين عثروا في حجرة العثرة . وعلى أثر ذلك يقدم لنا المسيح في هذا الإنجيل كزارع لأنه كان أولا يطلب ثمرا ولكن بغير جدوى . بعدئذ تأتي الكنيسة والملكوت ، محل إسرائيل المبارك على مقتضى المواعيد التي رفضوها في شخص الرب يسوع . ولكن بعد الدينونة ، حينما يقبلونه ، سيعترف باليهود كموضوع وغرض الرحمة ، ولنلاحظ أن حادثة الصعود لم تذكر في هذا الإنجيل . وأعتقد أنه لهذا السبب عينه كانت الجليل وليست أورشليم هي مشهد مقابلة الرب مع التلاميذ بعد القيامة - وفي هذا معنى : أي أن وجوده في الجليل معناه بقاؤه مع مساكين الشعب الجالس في الظلمة . ومن هناك حيث أشرق النور على الشعب الجالس في الظلمة . ومن هناك تخرج مأمورية العماد التي تنطبق على الأمم . أما مرقس فيعطينا الخادم ، أبن الله .بينما لوقا يقدم أبن الإنسان ، والإصحاحان الأولان منه يريان صورة بديعة للبقية في إسرائيل . أما يوحنا فانه كما قلنا يعرفنا شخص الرب الإلهي المتجسد ، أساس كل بركة . ويكلمنا عن عمل الكفارة الذي هو الأساس الذي تقوم عليه حتى السموات الجديدة الخالية من الخطية والتي يسكن فيها البر . وفي الإصحاحات الختامية نرى عطية المعزي . وكل هذا بالمباينة مع اليهودية . وعوض تتبع نسب الرب إلى إبراهيم وداود - مستودعي الوعد ( كما في متى ) ، أو إلى آدم ( كما في لوقا ) حتى كابن الإنسان يجلب البركة للإنسان . وعوض أن يقص لنا يوحنا خدمة الرب كالنبي العظيم الذي كان لابد أن يأتي ( كما هو الحال في مرقس ) فأنه يستحضر للعالم شخصا ألهيا : الكلمة الذي صار جسدا .

أن بولس ويوحنا يعلنان وجودنا في مركز جديد على الإطلاق في المسيح . ولكن يوحنا مشغول على الأكثر بإعلان الآب في الابن ، وهكذا يكلمنا عن أن فينا بالابن حياة . بينما بولس يقدمنا لله ، ولذلك يعلن لنا مشوراته بالنعمة . وإذا كنا نحصر تأملنا في الرسائل ، فإن بولس وحده هو الذي يتكلم عن الكنيسة ، هذا إذا استثنينا إشارة بطرس ( 1 بط 2 ) إلى بناء الأحجار الحية - بناء آخذ في النمو ولم يكمل بعد . وفوق ذلك فإن بولس وحده هو الذي يتكلم عن " الجسد " .

وسفر الأعمال يعطينا بيان تأسيس الكنيسة بواسطة الروح القدس النازل من السماء . ثم يرينا بعد ذلك أتعاب الرسل في أورشليم أو فلسطين ، وعمال أحرار آخرين ، لا سيما خدمة بطرس ، وبعد ذلك خدمة بولس وينتهي سفر الأعمال بأن يرينا بيان رفض إنجيله بواسطة اليهود الذين في الشتات .

إذا قصدنا أن نلخص ولو بإجمال محتويات الرسائل فإن ذلك قد يطوح بنا بعيدا . لذلك نحن نحصر أنفسنا في كلمات قليلة من حيث ترتيبها التاريخي ملاحظين فقط أنها تقدم فاعلية وكمال عمل المسيح ، ومحبة الآب المعلنة فيه .

فنضع في الطليعة ، من حيث الترتيب التاريخي كما قلنا ، الرسائل المحقق تاريخ كتابتها . وهي رسالتا تسالونيكي ، ورسالتا كورنثوس ، ورسالة رومية ، ورسائل أفسس وكولوسي وفيلبي وفليمون والرسائل الأربع الأخيرة هي التي كتبها بولس لما كان أسيرا . أما غلاطية فقد كتبت بعد دعوة الرسول إما بأربع عشرة أو بعشرين سنة ، وبعد أن خدم مدة في آسيا الصغرى ، ربما لما كان في أفسس ، ولو أنه لم يكن بعد تأسيس كنائس غلاطية بزمن طويل . ورسالة تيموثاوس الأولى كتبت بمناسبة مغادرة الرسول لأفسس ، ولكن الوقت غير معلوم بالتدقيق . والرسالة الثانية يجب أن توضع في ختام حياة الرسول ، حينما كان على وشك ملاقاة الاستشهاد . ورسالة تيطس مرتبطة بإحدى سفرات بولس إلى كريت ولو أننا لا نعلم تاريخ هذه السفرة ( وفكر البعض أنه ربما كان ذلك حين سياحته في أفسس ) . وهذه الرسالة هي وتيموثاوس الأولى تتفقان في زمان واحدا أدبيا ، لأن الله لم يشأ أن يعطي لنا تواريخ زمنية . ولئن لم تشأ الحكمة الإلهية أن تعطى لنا هذا فإن الترتيب الأدبي ظاهر بوضوح ، كما نرى جليا في الطريقة التي بها ترتبط رسالة تموثاوس الثانية بخراب النظام الذي أسسته الرسالة الأولى .

ورسالة العبرانيين كتبت في فترة متأخرة ، بالنظر للقضاء الذي كان عتيدا أن يقع على أورشليم. فقد دعت هذه الرسالة اليهود الذين صاروا مسيحيين لأن ينفصلوا عن النظام الذي كان الله مزمعا أن يحكم عليه .

أما رسالة يعقوب فتتعلق بزمان لم يكن هذا الانفصال قد تم فيه بأي حال . والمسيحيون اليهود ينظر إليهم في هذه الرسالة كمن لا يزالون يكونون لغاية ذلك الوقت جزءا من ذلك إسرائيل الذي لم يكن قد رفض نهائيا بعد ، وإنما كانوا يعترفون بالرب يسوع كرب المجد . ونظير باقي الرسائل الجامعة كتبت رسالة يعقوب في الأيام الأخيرة للتاريخ الرسولي الذي كانت المسيحية قد انتشرت فيه ودخلت دخولا فسيحا في وسط أسباط إسرائيل ، والقضاء كان يوشك إن ينهي تاريخ اليهود .

في بطرس الأولى نرى أن الإنجيل كان قد انتشر انتشارا كبيرا بين اليهود . وهذه الرسالة موجهه للمسيحيين اليهود الذين في الشتات . والرسالة الثانية كتبت بالطبع بعد ذلك ، في أيام نهاية حياة الرسول حينما كان عتيدا أن يخلع مسكنه وينفصل عن أخوته . لذلك لم يشأ أن يتركهم دون أن يقدم لهم الإنذارات التي سوف لا تبقى رعاية رسوليه تستطيع أن تقدم نظيرها بعد ذلك بقليل . لذلك، نظير رسالة يهوذا ، فهذه الرسالة تتكلم عن حالة التحول المحزن عن طريق القداسة من جانب أولئك الذين قبلوا الإيمان ، والاستهزاء بالشهادة عن مجيء الرب .

وفي يوحنا الأولى يشدد الرسول على أن هذه الأيام " ساعة أخيرة " وإن الارتداد بأشكاله المختلفة قد برز - ارتداد عن حق المسيحية ، أي نكران للآب وللابن ، كما ونكران لحقيقة أن الرب يسوع هو المسيح ، وذلك عن طريق الشك اليهودي ويهوذا يأتي أدبيا قبل يوحنا . في رسالته نجد الأخوة الكذبة الذين دخلوا خلسة وسط القديسين . والمشهد يكبر ويتسع حتى يصل إلى التمرد النهائي والدينونة الختامية - وهي تختلف عن بطرس الثانية في النظرة للشر ليس كمجرد أثم ، بل كابتعاد عن الحالة الأولى .

وسفر الرؤيا يكمل الصورة إذ يرينا المسيح ديانا في وسط المنابر ، والكنيسة الأولى قد تركت محبتها الأولى ، وتهدد بأنها إذا لم تتب وترجع لحالتها الأولى فإن منارتها تتزعزع . والدينونة الختامية نراها في ثياتيرا ولاودكية . وبعد ذلك يرينا السفر دينونة العالم ورجوع الرب والملكوت والمدينة السماوية والحالة الأبدية .

وهذه الصفة العامة للارتداد والخراب التي تنطبع على رسائل العهد الجديد الأخيرة كلها ، من رسالة العبرانيين إلى الرؤيا لهي صفة غريبة جدا . ورسائل بولس ، ما عدا تيموثاوس الثانية ،التي تقدم لنا إرشادا فرديا في وسط الخراب ، بينما تعلن مقدما هذه الحالة ، تعبر عن جهود واهتمام البناء الحكيم . وفائدة وأهمية تواريخ هذه الرسائل هي بالارتباط مع تاريخ الرسول نفسه في سفر الأعمال . أما رسالة العبرانيين ، والرسائل الجامعة ، وسفر الرؤيا ، فإنها كلها ترى لنا الابتعاد المتنبأ عنه والذي كان قد بدأ فعلا ( مع ملاحظة أن رسالة بطرس الأولى ، وهي أقل الرسائل انطباعا بهذه الصفة ، تخبرنا أنه الوقت لابتداء القضاء من بيت الله ) وبالتبعية ترينا هذه الرسائل دينونة الكنيسة الاسمية ، وبعد ذلك ترينا نبويا دينونة العالم لتمرده ضد الله . هذه الصفة الخاتمة للرسائل الجامعة مهمة للغاية ومليئة بالتعاليم اللازمة لنا في هذه الأيام الأخيرة .

يوحنا نلسون درابي

آمن بالرب يسوع المسيح فتخلص

حقوق النشر مفصلة في صفحة بيت الله الرئيسة

جميع الحقوق محفوظة © 1998-2005 لموقع بيت الله.كوم راجع اتفاقية استخدام الموقع.